ولما كان الإيمان والإسلام باعتبار متعلق مفهوميهما وهو ما يجب الإيمان به من مباحث علم الكلام ذكرهما المصنف رحمه الله تعالى مقدما الإيمان لأصالته لتعلقه بالقلب، وتبعية الإسلام له لتعلقه بالجوارح فقال: (وفسر الإيمان) أي حده جمهور الأشاعرة والماتريدية وغيرهم (بالتصديق) المعهود شرعا وهو تصديق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
العبارة وتتوصل بحدوثه إلى المطلوب من وجود الإله تعالى لأنه محدث الخ، ألا ترى أن أصل الكلام في النظر الموصل لمعرفة الله تعالى.
قوله: (متعلق مفهوميهما) مفهوم الإيمان الانقياد الباطني ومفهوم الإسلام الانقياد الظاهري ومتعلقهما ليس إلا ما علم من الدين بالضرورة لأنه هو الذي يكفر عدم الانقياد له لا غيره كما يأتي في قوله: ومن لمعلوم ضرورة جحد. فالمتعلق بتمامه من مباحث هذا الفن ولو إجمالا وأما بقية الأحكام فمن توابعهما ومتمماتهما من غير أن تكون من المتعلق الذي يتوقف عليه المفهوم أعني ما ليس ضروريا فلا يحتاج إلى أن يقال المراد بعض المتعلق فتدبر. قوله: (لتعلقه بالقلب) أي الذي هو أصل الجوارح لتبعيتها له صلاحا وفسادا على أن الإيمان شرط لصحة أعمال الجوارح فتأمل. قوله: (لتعلقه بالجوارح) هذا يفيد أن الإسلام العمل بالفعل ويوهمه المتن الآتي فيلزم كفر تاركه كسلا وليس كذلك فالصواب أن الإسلام الإقرار الظاهري باللسان فالصواب أنها واجبة ويحرم تركها فافهم. قوله: (وغيرهم) عطف على الجمهور وذلك الغير كابن الراوندي والصالحي من المعتزلة ولا تعطف غير على مدخول الجمهور لأنه لا يوافقهم من غيرهم إلا القليل كما يأتي أن المعتزلة يقولون: العمل شطر والإيمان أفعال ياؤه بدل همزة كألف ماضية، ولا يكون إلا مؤبدا فإن نوى إيمان هذا العام وكفر ما بعده فهو كافر من الآن. قال العلامة ابن الشحنة الحنفي في منظومته:
وناوي الكفر لو من بعد حين ... كفور في جهنم ذو انكباب
قال السيد الحموي في شرحه لمخالفته لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136] أي داوموا على الإيمان ولأنه رضي كفر نفسه ورضا الإنسان بكفر نفسه كفر قطعا كغيره استحسانا للكفر وإنما الخلاف إذا رضي كفر غيره طلبا لضرره وضيره هل يعد كفرا أو لا اهـ ملخصا.