الاستدراك بقوله: (لكن) العالم وإن كان على غاية من الاتقان هو حادث لأنه (به) لا بغيره (قام دليل) أي أمارة (العدم) وهي الأعراض الحادثة الملازمة له كالحركة والسكون التي لا تقوم بغير الحادث فإذا أردت أن تأتي بقياس مستنبط من نظرك لتتوصل به إلى تحقيق حدوثه، قلت: العالم من عرشه لفرشه جائز عليه العدم وهذه المقدمة الصغرى المطوية لفهمها من الاستدراك، وبيان هذه المقدمة أنا اختبرنا الموجود من العالم فوجدناه غير خارج عن الأعيان والأعراض وهي حادثة لقبولها للعدم ولو كانت قديمة ما طرأ العدم عليها والمقدمة الكبرى هي قوله: (وكل ما جاز عليه العدم) يعني الفناء (عليه قطعا يستحيل) أي يمتنع (القدم) فينتج ذلك أن العالم حادث، وإن شئت قلت: العالم مفتقر إلى مؤثر لأنه محدث وكل محدث فله مؤثر فينتج القياس أن العالم له مؤثر.
أن البديع المخترع من غير سابقة مثال والمخترع لا يكون إلا حادثا إلا أن يقال: التوهم من عجز التعريف أعني عدم المثال لا من صدره، والأقرب لقوله: صنعا أن تكون لكن لمجرد التأكيد كما قيل في قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب: 40] ويبعد أن يقال نفي الأبوة يوهم نفي الرسالة بجامع مطلق التربية. قوله: (لا بغيره) أخذه من تقديم الجار والمجرور والظاهر أنه لمجرد الوزن. قوله: (أي أمارة) فالدليل أصولي وهو مفرد يحتاج لجهة دلالة وأما المنطقي فمركب لأنه القياس. قوله: (وهي الأعراض) هذا يقتضي أن العالم بمعنى الأجرام فلتكن هي المرادة في المقدمة المفهومة من الاستدراك لكنه في بيانها عمم ثم خص آخرا الأعراض وبالجملة لم يجر الشارح على ما ينبغي في النظام وسبق لك تحقيق إثبات حدوث الأعراض ثم منها للأجرام فتأمل. قوله: (عرشه) يعني جزءه الأعلى وفرشه جزءه الأسفل فهما من إضافة الجزء للكل. قوله: (جائز) يشير إلى أن قوله دليل العدم معناه دليل جواز العدم إذ الفرض أنه موجود. قوله: (وهي حادثة) تكرار لأصل الدعوى. قوله: (لقبولها للعدم) هو نفس المقدمة المطوية إلا أن يفسر بالقبول الوقوعي فيرجع للتغير بالعدم.
قوله: (يعني الفناء) يشير إلى أن المراد بالعدم الانعدام الطارئ لا العدم الأصلي فإنه واجب لا يقبل الانتفاء والذي انقطع بالوجود هو استمرار العدم فيما لا يزال لا العدم الأزلي والعدم فيما لا يزال جائز حال الوجود بدلا عنه فتأمل. قوله: (أن العالم حادث) هذا لازم النتيجة وحقيقتها العالم يستحيل عليه القدم. قوله: (وإن شئت قلت العالم مفتقر إلى مؤثر) فيه أن هذه الدعوى هي المقصودة بالذات فهذا أمر محتم لا تخيير فيه فحق