وسطه لصح أيضا فلتكن ثم للترتيب الذكري وتقدم العالم العلوي على السفلي وإن كان أقرب إلى الاعتبار اقتداء به سبحانه وتعالى حيث قدمه عليه في مقام الاعتبار، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] الآية، فإنك إن تنظر في أحوال ما ذكر (تجد به) أي تعلم وتتحقق فيما ذكر (صنعا بديع الحكم) أي الإتقان الدال على علم صانعه وقدرته وإرادته وحياته واختياره لأن الإتقان لا يصدر إلا عمن اتصف بما ذكر وما يشعر به قوله: بديع الحكم من قدمه حيث كان كذلك يدفعه
قوله: (الذكري) ليس معناه مجرد ذكر هذا بعد هذا وإلا لصح في الواو أيضا أنها للترتيب الذكري، بل معناه كما أفاده نجم الأئمة الرضى أن يحسن ذكر هذا بعد هذا ومثل له بالفاء في قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} [الأعراف: 4] قال: إن مجيء البأس سبب الإهلاك وذكر السبب يحسن بعد ذكر المسبب فكذا هنا لما ذكر النفس التي بها الاستدلال ناسب ذكر أشياء أخربها الاستدلال أعني العالم العلوي ثم السفلي لكن بقي أ، لفظ انتقل في المتن نص في الترتيب الربي، فالحق أن ثم أيضا للترتيب الربي لكنه ترتيب اعتباري غير متعين ووجهه أن النفس أقرب فقدمت ولما سبق ثم العلوي لكونه أعظم وأبدع واهتما به لئلا يتشاغل الإنسان عنه بما هو أقرب أعني السفلي فينساه بالمرة ولهذين الوجهين قدم في الآية الآتية. قوله: (تجد به صنعا) ينسب لسيدي محيي الدين تضمين كلمة لبيد المشهور رضي الله عنهما:
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملإ الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت سطرها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قوله: (بديع الحكم) وقع في كلام حجة الإسلام الغزالي: ليس في الإمكان أبدع مما كان فشنع عليه جماعة قائلين: هذا نسبة عجز لقدرة الإله وفي اليواقيت عن ابن عربي ما نصه هذا كلام في غاية التحقق لأنه ما ثم لنا إلا رتبتان قدم وحدوث فالحق تعالى له رتبة القدم والمخلوق له رتبة الحدوث، فلو خلق تبارك وتعالى ما خلق فلا يخرج عن رتبة الحدوث فلا يقال: هل يقدر الحق تعالى يخلق قديما مثله لأنه سؤال مهمل لاستحالته. قلت: ويحتمل أن يكون مراده أنه ليس في الإمكان شيء يقبل الزيادة والنقص على خلاف ما سبق في العلم أبدا اهـ. كلام الشعراني بالحرف، ولك أن تقول ليس في الإمكان أبدع بحسب ما يسع العقول تفصيلا وإن حكمت إجمالا بجواز أبدع أو أنه خرج مخرج المبالغة ولم يرد حقيقته على أنه يمكن صدورها وقت غيبوبته والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (وما يشعر به الخ) فيه