مخصوصة وأمكنة معينة وبعضه متحركان وبعضه ساكنا وبعضه نورانيا وبعضه ظلمانيا، وذلك دليل الحدوث والافتقار إلى صانع مختار منزه عن مماثلة لمصنوعه ذاتا وصفات (ثم) انتقل بالنظر في أحوال العالم (السفلي) وهو كل ما نزل عن الفلكيات إلى منقطع العالم كالهواء والسحاب والأرض وما فيها، ولا تتوقف صحة النظر على الترتيب الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى بل لو عكس فأخر المقدم، وقدم المؤخر أو
لشيء إذ ليس فيه شيء، وينفرد المكان في الفراغ الذي حل فيه العالم كله فإنه مكان له وليس جهة لشيء إذ ليس ثم متحيز غير هيئة العالم المجتمعة فينسب إليها فتأمل. قوله: (وبعضه ساكنا) كالسماء ولا التفات لقول أهل الهيئة بحركتها لأن كلامنا فيما يشاهد ببادئ الرأي وليس إلا الكواكب تسبح في الفلك على ما يريد الله سبحانه وتعالى.
قوله: (وبعضه نورانيا) نسبة للنور زعم بعضهم أنه أجرام شعاعية متصاغرة ومر عليه السنوسي في شرح الكبرى ورده في شرح المقاصد والمواقف بأنها كانت تستمر بعد سد كوة دخلت منها في المحل وأيضا الأرام حجاب في الرؤية خصوصا إذا تكاثرت وإن أجيب بأن بعض الجواهر كالزجاج يعين على الرؤية أيضا لو كانت أجراما لم تنفذ من نحو الزجاج مع بعد أن يمتلئ المكان المتسع أجراما من مصباح صغير وقطع المسافات البعيدة في الحال وبالجملة الأقرب القول بأن النور عرض يخلق في الهواء من بياضه وصفائه.
قوله: (ظلمانيا) أي لا ضوء له في العالم كالسماء بخلاف القمر فنوراني وإن قيل إنه في ذاته أسود وأن نوره مستفاد من نور الشمس فكلامنا فيما غلبت مشاهدته والظلمة، قيل: أمر وجودي لقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] وقيل: هي عدم النور بدليل أن من في الغار يبصر من خارجه ولو كانت الظلمة أمرا موجودا لحجبت إذ لا تكون إلا كثيفة انظر شرح المقاصد. قوله: (دليل الحدوث) لكن لم يثبت منذ كم حدث ونقل الشعراني في اليواقيت عن ابن عربي في ذلك العجب وأنه اجتمع بناس ممن قبل آدم فانظره لكن لم يصح في الظاهر قبل آدم بشر كما أفاده الزرقاني وغيره.
قوله: (والسحاب) هو عند الحكماء بسبب تكاثف الأبخرة المتصاعدة كأكثر كائنات الجو وفي بعض الآثار ما يدل على أنه من الجنة. والهواء جوهر لطيف تعيش فيه الحيوانات المتنفسة كما تعيش المتنشقة في الماء وهو أحد العناصر يمد النار ويستحيل إليها كالعكس وكذا جميع العناصر مع بعض عند الحكماء.