فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 318

وعد الله حق وقوله حق وعقابه شديد، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم إليه لجأنا وبه اعتصمنا وعليه توكلنا وإليه المصير يغفر الله لنا وللمسلمين وابتهل صلى الله عليه وسلم في الدعاء حتى قال: (( اللهم إ تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين ) )وركع ركعتين يقول في صلاته: (( اللهم لا تودع مني اللهم لا تخذلني اللهم إني أنشدك ما وعدتني اللهم إن تشأ لا تعبد بعد هذا اليوم ) )، وكان كثيرا ما يقول في سجوده إذ ذاك: (( يا حي يا قيوم ) )لا يزيد عليها يكررها مدة وهو ساجد حتى فتح عليه وسقط رداه من كثرة ما ابتهل مادا يديه فألقاه عليه أبو بكر والتزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كفاك تناشدك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.

قال الإمام أبو سليمان الخطابي لا يجوز أن يتوهم أن أبا بكر كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم بل الحامل له صلى الله عليه وسلم شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم لأنه كان أول مشهد شهدوه مع قلتهم وكثر بأس العدو فأظهر لهم مزيد توجهه لتسكن نفوسهم لعلمهم بأنه مجاب، وحمل أبا بكر ما وجد في نفسه من القوة وشفقته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليسره بما يجد. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: كان صلى الله علهي وسلم في مقام الخوف وكان صاحبه في مقام الرجاء، وكلا المقامين سواء في الفضل. قال تلميذه السهيلي: لا يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم والصديق سواء ولكن الرجاء والخوف مقامان لا بد للإيمان منهما فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقام الخوف من الله تعال لأن الله تعالى يفعل ما شاء اهـ.

وفي آخر كلام السهيلي إشارة بطرف خفي إلى ما هو الأظهر من النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ ذاك جامعا بين الرجاء والخوف وذلك لما قال العارفون: إن الله حضرة تسمى حضرة الإطلاق لا يبالي فيها بأحد المشار إليه بقوله عز وجل: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 17] ومنها خطاب بعض الأنبياء بإن عدت إلى كذا محوت اسمك من ديوان الأنبياء مع العصمة والثانية حضرة التنزل التي قيدها بما شاء على ما شاء، وفي الإنصاف هي لا تخرج عن الأولى فكان صلى الله عليه وسلم يخاف تجلي الإطلاق راجيا لتنزل الوعد والجماعة التفتوا للثاني فقط وقد سبق لك التنبيه على نحو هذا أثناء الكتاب ومما يؤيد ما ذكرنا لك ما في السيرة الشامية أن ابن رواحة قال: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من أن يشار عليه: إن الله تعالى أجل وأعظم من أن ينشد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت