الناظم جازما بها فقال: (ولا نخض) نحن معاشر جمهور المحققين (في) بيان حقيقة (الروح) بجنس وفصل مميزين لها لتعذر الوقوف عليهما لعدم ورود السمع بهما ولا يتلقيان إلا منه، وأشار إلى علة النهي عن الخوض فيها على هذه الطريقة بأنه خلاف الأدب مع الشارع حيث لم يبينها لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا ما وردا) أي عدم خوضنا في بيانها على سبيل الندب، فالخوض في بيان حقيقتها مكروه لعدم التوقيف في ذلك إذ هي من المغيبات التي لا تعرف إلا من قبل الشارع ولم يرد (نص) أي دليل (عن الشارع) وهو الله تعالى ببيانها لأن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يبلغنا ذلك عنه وكل ما هو كذلك فالأولى الكف عن الخوض فيه، ولذا قال الجنيد: الروح شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] أي مما استأثر الله بعلمه إظهارا لعجز المرء حيث لم يعلم حقيقة نفسه التي بين جنبيه مع القطع بوجوده فيرد العلم إليه سبحانه مع الإقرار بالعجز عن إدراك ما لم يطلعه الله عليه وعلى هذه الطريقة ابن عباس وأكثر السلف ويجري عليها الوقف عن الجزم بمحل مخصوص له من البدن، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أطلعه الله على جميع ما أبهمه عنه لكنه أمر بكتم البعض والإعلام بالبعض الآخر. والفرقة الثانية تكلمت فيها وبحثت عن حقيقتها، قال النووي: وأصح ما قيل فيها على هذه الطريقة ما قاله إمام الحرمين إنها جسم لطيف شفاف حي لذاته مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر واحتجوا لهذا بوصفها بالهبوط والعروج والتردد في البرزخ، وهذه الطريقة المرجوحة التي حكاها بقوله: (لكن وجدا، لمالك) أي لأهل مذهبه ممن خاض في بيان حقيقتها (هي) يعني روح كل جسد (صورة) أي جسم ذو صورة (كالجسد) أي كصورته في الشكل والهيئة لا في الظلمة والكثافة والرقة واللطافة وتخصيص أهل مذهب مالك بالذكر لأنهم أنفى أرباب المذاهب للشبهات، وأشدهم محافظة على النصوص الشرعية
قوله: (نخض) هكذا في شرح المصنف على القليل من جزم لا الناهية لفعل المتكلم واشتهر بتاء الخطاب. قوله: (على سبيل الندب) هذا بمعونة ما يأتي من خوض بعضهم. قوله: (على جميع ما أبهمه) لا على جميع معلوماته تعالى وإلا لزم مساواة الحادث للقديم كما سبق التنبيه عليه وجميع ما خالف ذلك نحو {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [هود: 31] محمول على غير تلك الحالة. قوله: (لذاته) لا لروح أخرى وإلا لزم التسلسل. قوله: (لأهل مذهبه) ونسب لمالك لاستنادهم في أفهامهم إليه أفاد نحو هذا ابن عرفة. قوله: (وأشدهم محافظة) لأن إمامهم تربية مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم مهبط الوحي