هذه الأمة بأفضل ممّا كان عليه أوّلها, فحسب المتأمّل تدبّر كلامهم, فيلوح لنا الحق ويظهر له البرهان. وسأذكر لك إن شاء الله تعالى هنا قاعدتين, إن تأملتهما يلح لك بهما فساد الإلزامين المتقدمين, وتنفك بهما الاعتراضات التي ذكرها الفخر كلها على الجملة.
[القاعدة الأولى] : فاعلم أنّ التعليل يكون في المعاني العقلية ويكون في الموجودات. وتعقل ارتباطات بين المعقولات في أعمّ من الوجود. بيان ذلك أنّ الإمكان حكم مصحّح [1] , لتعلق قدرة القادر بالممكن, يلزم من ثبوته الثبوت ومن نفيه النفي, وهو ليس بمعنى زائد على الممكن اتفاقا؛ فكذلك الوجود مصحح, لتعلق رؤية الرائي بالمرئي, ولا يلزم منه أن يكون الوجود زائدا على المرئي فيعلّل الحكم النفسي بالذات, والأحكام تتبع الذوات, والأعيان بمعقولياتها.
القاعدة الثانية: اعلم أن الوجود اسم للحقيقة المقابلة للعدم. ويعلم على الضرورة أنه ليس بين [2] الوجود والعدم رتبة. والموجودات مختلفة بذواتها, واختلاف حقائقها لا يخرجها من أن تكون موجودة. فاسم الموجود إذا وضع لإفادة الحقائق, فالجوهر حقيقة والعرض حقيقة, وهما مختلفان, غير أنهما متفقان في أنهما غير معدومتين, أو في استحقاق التسمية في الوضع بالموجود, والإدراكات متعلقة بالحقائق فوجب أن يكون لكل ذي حقيقة حقيقة مصححة لإدراكه, وتلك الحقيقة مخالفة للعدم المستحيل رؤيته, فثبت معها التصحيح وينتفي بانتفائها, فصحت رؤية كل موجود.
فبيان هذين القاعدتين أنّ التعليل يكون في أعمّ من الموجودات, وأنّ الحكم يتبع الذات لمعقوليتها. وبان أيضا أن اختلاف الحقائق لا يخرجها من أن تكون موجودة.
فهذه طريقة العقل في العلم بجواز رؤية الله تعالى. ومعنى الجواز أنه تعالى الموصوف بالاقتدار عن خلق رؤية في العين يُرى بها, كما هو تعالى
(1) في 1 (صحيح) والتصحيح من شرح القلشاني
(2) في 1 (هذا) والتصحيح من شرح القلشاني.