والذكرى: مصدر, وكذلك «ذكر» , وهو القرآن و السنة.
ولم يذكر ما يسّر النوع الآخر له, واجتزأ بذكر الخذلان, وما ذلك إلا للزوم الأدب مع العزيز تعالى في الإطلاق. ألا ترى إلى قول الحق معلّما لخير الخلق كيف يطلق عليه, حيث قال: (قل اللهم مالك الملك تؤتي) إلى قوله: (بيدك الخير) [آل عمران:26] ولم يقل: والشر. ثم نبه على عموم تعلق قدرته ونفوذ إرادته بقوله: (إنك على كل شيء قدير) . فإن قلت: هذا معارض [1] بقول نوح عليه السلام: (إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم) [هود:34] , وقول موسى عليه السلام: (إن هي إلا فتنتك) [الأعراف:55] , فالجواب: أنّ المراد بهذا منهم صلوات الله عليهم وسلامه تعريف أممهم بنفوذ إرادة الحق تعالى وعظمة سلطانه, وأنه يفعل في ملكه ما يشاء, ولأنه العزيز فلا يعترض عليه. فإذا تمكن هذا من قلوبهم ورسخ في صدورهم, فحينئذ يمكنهم مراعاة الاطلاقات ولزوم [2] الآداب. ولهذا لما أراد المصنف أن يخبر عن الحقيقة الواجبة الاعتقاد قال: «وأضل من خذله بعدله» فحصّل بكلامه هذا الحقيقة, ثم تأدب بآداب القرآن الحكيم واقتدى بسيد الخلق أجمعين؛ فذكر ما تفضّل الله به على عباده المؤمنين.
وقوله رحمه الله: (فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين, وبقلوبهم مخلصين, وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين)
سمّى النطق اللساني والعمل البدني إيمانا؛ لأنه بهما كمال الإيمان. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك.
فإن قلت: لم قدّم النطق على الإخلاص, ولا يصحّ النطق من غير إخلاص, فكيف يؤخّر ما هو مقدّم في الوجود [3] ؟ فالجواب أنّ السابق ترجمان, والترجمان يتقدم بين يدي المترجم عنه؛ ولأنّ النطق باللسان هو أوّل علامة ينقاد بها المكلف ويتخلص بها من عذاب الدنيا المتقدّم وجودا, والله أعلم.
(1) سقط من أ (هذا معارض)
(2) في ب (ولزمه)
(3) في أ (الوجوب)