فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 321

226 -وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت في مجلس فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل عتيقة بن الحارث الأنصاري [1] فسلم ثم جلس ثم قال: يا رسول اللّه شهدتك يوم بدر وأنت تحرض الناس على الجهاد فلم أستطع أن أسألك، وأنا سائلك ففهمني يا رسول اللّه! قال:"سل عما بدا لك يا عتيقة"! قال: يا رسول اللّه! ما لمن تقلد سيفا في سبيل اللّه؟ قال:"يقلده اللّه وشاحا من أوشحة الجنة من ذهب وفضة ولؤلؤ وزبرجدا، قال: يا رسول اللّه! ما لمن اعتقل رمحا في سبيل اللّه؟ قال:"يكون له به علم يعرف به يوم القيامة"، قال: فما لمن تقلد قوسا في سبيل اللّه؟ قال:"يكون له رداء أخضر من أردية الجنة يوم القيامة"."

قال: فمن رمى بسهم في سبيل اللّه؟ قال:"بخ بخ يا عتيقة! لقد سألت عن خير كثير، إن اللّه ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه والمقوي به، والرامي به في سبيل اللّه، يا عتيقة بن الحارث! من رمى بسهم في سبيل اللّه، بلغ العدو أو قصر، عدل له عتق رقبة"، قال: يا رسول الله فما لمن لبس درعا في سبيل اللّه؟ قال:"يكون له جنة من النار"، قال: فما لمن تعضد ترسا في سبيل اللّه؟ قال:"يكون له سترًا من حر شمس الأرض، وقد أدنيت من الناس بقدر ميل، وقد زيد في حرها ثمانية عشر جزءا، ورهق الناس [2] العرق على قدر أعمالهم، فالمؤمن في ضحضاح [3] والكافر ملجم".

قال: يا رسول اللّه! فما لمن ركب فرسا في سبيل الله أمانا لمن خلفه وهيبة لمن بين يديه؟ قال:"بخ بخ يا عتيقة بن الحارث! من ارتبط فرسا في سبيل الله، هيبة لمن بين يديه، وأمانا لمن خلفه إلا تلقته خزنة الجنة، بخيل خضر مسرجة لم تلقحها الفحول، ولم تحملها البطون، ولم ير بين بالضروع، خلقهن الله يوم خلق الجنة ألوانها من ذهب وفضة ولؤلؤ وزبرجد يأكلن من ثمارها، ويشربن من أنهارها لا يبلن ولا يرثن، ولا يعيين، ولا يهرمن، يقلن: يا ابن آدم! ركبت في الدنيا فرسا تموت، فدونك ما لا يموت، فقال: يا رسول الله! ما ترى لأحد من أهل الجهاد في شيء؟."

قال: أجل، ما أعمال البر كلها في عرض الجهاد إلا كتفلة تفلها عبد في بحر لجي، فماذا زادت فيه حين تفلها؟ وماذا زادت [4] فيه حين حبسها؟ قال: وما خرج عبد في سبيل اللّه غاديا أو رائحا مهللا مكبرا حامدا، ذاكرا، إلا آبت [5] الشمس بجميع ذنوبه، قال: وما مر غاز ببطن واد حمد اللّه وسبحه، وكبره، وهلله، إلا نادته أشجاره بعضها بعضا، وصخره بعضه بعضا، ونباته بعضه بعضا، هذا مجاهد في سبيل اللّه، يذكر اللّه، فيمتلئ ذلك الوادي حسنات، حتى يفيض من جانبيه". ذكره في شفاء الصدور."

قال المؤلف عفا اللّه عنه: وعتيقة بالقاف، ذكره الحافظ أبو موسى الأصبهاني في كتاب الصحابة، وذكر له هذا الحديث، وهو حديث غريب، وإسناده غير ثابت، واللّه أعلم.

وحكى الحافظ شمس الدين بن الذهبي في تاريخ الإسلام عن أبي المظفر سبط ابن الجوزي، أنه جلس بجامع دمشق يحرض الناس على الجهاد، في سنة سبع وستمائة، قال أبو المظفر: وكان الناس من مشهد زين العابدين إلى باب الناطفيين وحزروا بثلاثين ألفا، وكان يوما لم ير بدمشق ولا بغيرها مثله، وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة من شعور التائبين، وكنت قد وقفت على حكاية أبي قدامة مع تلك المرأة التي قطعت شعرها وقالت: اجعله قيدًا لفرسك في سبيل الله، فعملت من الشعور التي اجتمعت عندي شكل [6] لخيل المجاهدين وكرفسارات [7] ، فأمرت بإحضارها على الأعناق، فكانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس، ضجوا ضجة عظيمة، وقطعوا مثلها، وقامت القيامة، وسرنا إلى الكسوة [8] ومعنا خلق مثل التراب وكان من قرية زملكا فقط نحو ثلاثمائة رجل بالعدد والسلاح، ومن غيرها خلق كثير خرجوا احتسابا، وجئنا إلى عقبة فيق [9] والوقت مخوف من الفرنج فأتينا نابلس، وخرج الملك المعظم، فالتقانا [10] وفرح بنا، وجلست بجامع نابلس، وأحضرت الشعور، فأخذها المعظم وجعلها على وجهه وبكى وخرجنا نحو بلاد الفرنج، فأخربنا وهدمنا، وأسرنا جماعة، وقتلنا جماعة وعدنا سالمين.

قال المؤلف: حكاية أبي قدامة التي أشار إليها، تأتي إن شاء اللّه تعال [11] .

227 -وذكر ابن الذهبي الحافظ أيضا عن خنساء بنت عمرو أخت صخر الشاعرة ولها وفادة وصحبة رضي الله عنها، أنها شهدت القادسية ومعها أربعة بنين لها، فلم تزل تحضهم على القتال وتذكرهم الجنة، بكلام فصيح فأبلوا يومئذ بلاء حسنا، واستشهدوا، وكان عمر رضي الله عنه يعطيها أرزاقهم. ذكره في كتاب تجريد أسماء الصحابة، وذكر أنهم أجمعوا على أنه لم تكن امرأة أشعر منها.

ولنختم هذا الباب بحكاية أم إبراهيم الهاشمية [12] -وهي حكاية مشهورة- حكاها جماعة منهم أبو جعفر أحمد بن جعفر بن اللبان رحمه الله في كتابه المسمى"تنبيه ذوي الأقدار على مسالك الأبرار"قال: روي أنه كان بالبصرة

(1) عتيقة بن الحارث الأنصاري له ذكر في حديث طويل في الجهاد، لا يثبت. تجريد أسماء الصحابة: 1/ 372، تصحيح صالحة عبد الحكيم.

(2) رِهقَه بالكسر، زهقا أي: غشيه. الصحاح: 4/ 1486.

(3) الضحضاح: ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين. انظر: النهاية: 3/ 75.

(4) في جميع النسخ ما عدا (ر) :"وماذا زادت"، وفي (ر) :"نقصت".

(5) في (ر) :"غابت".

(6) جميع شكال وهو: العقال. انظر: الصحاح:5/ 1736.

(7) لم أعرف معناه ولم أجده في كتب اللغة.

(8) الكسوة: قرية هي أول منزل، تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر. معجم البلدان: 4/ 461.

(9) وعقبة فيق: لها ذكر في أحاديث الملاحم ينحدر منها إلى الغور- غور الأردن - وأفيق كأمير، والعامة تقول: فيق. انظر: معجم البلدان: 2/ 1 23 و 4/ 286.

(10) هكذا في كل النسخ ولعله على الحذف والإيصال، أي التقى بنا.

(11) تأتي في ص 285.

227 -تجريد أسماء الصحابة: 2/ 263.

وفي سنده محمد بن الحسن المجزومي، وهو المعروف بابن زبالة، أحد المتروكين.

انظر: الإصابة 4/ 288.

(12) أم إبراهيم العابدة، لها ذكر في صفوة الصفوة: 3/ 38 - 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت