قال المؤلف عفا اللّه عنه: وما زال السلف الصالح رضي الله عنهم يبذلون جهدهم في الإنفاق في سبيل اللّه والتقرب إلى الله تعالى بمساعدة الغزاة وإدخال السرور عليهم بما تصل إليه استطاعتهم قليلا كان أو كثيرا. وحكاية أبي قدامة مع المرأة التي ضفرت [1] شعرها شكالا للفرس في سبيل اللّه مشهورة، حكاها جماعة منهم أحمد بن الجوزي الدمشقي في كتابه المسمى بسوق العروس وأنس النفوس.
فحكى أنه كان بمدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل يقال له: أبو قدامة الشامي، وكان قد حبب الله إليه الجهاد في سبيل اللّه تعالى والغزو إلى بلاد الروم، فجلس يوما في مسجد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يتحدث مع أصحابه فقالوا له: يا أبا قدامة حدثنا بأعجب ما رأيته في الجهاد قال: نعم، إني دخلت في بعض السنين الرقة [2] أطلب جملا أشتريه ليحمل سلاحي، فبينا أنا يوما جالس، إذ دخلت علي امرأة فقالت: يا أبا قدامة سمعتك وأنت تحدث عن الجهاد وتحث عليه وقد رزقت من الشعر ما لم يرزقه غيري من النساء، وقد قصصته وأصلحت منه شكالا للفرس وعفرته بالتراب لئلا ينظر إليه أحد، وقد أحببت أن تأخذه معك فإذا صرت في بلاد الكفار وجالت الأبطال ورميت النبال وجردت السيوف وشرعت الأسنة، فإن احتجت إليه وإلا فادفعه إلى من يحتاج إليه ليحضر شعري ويصيبه الغبار في سبيل اللّه فأنا امرأة أرملة [3] كان لي زوج وعصبة [4] كلهم قتلوا في سبيل الله ولو كان علي جهاد لجاهدت قال: وناولتني الشكال.
وقالت: اعلم يا أبا قدامة أن زوجي لما قتل خلف لي غلاما من أحسن الشباب وقد تعلم القرآن والفروسية والرمي عن القوس، وهو قوام بالليل صوّام بالنهار، وله من العمر خمس عشرة سنة، وهو غائب في ضيعة خلفها له أبوه فلعله يقدم قبل مسيرك فأوجهه معك هدية إلى اللّه عز وجل، وأنا أسألك بحرمة الإسلام لا تحرمني ما طلبت من الثواب، قال: فأخذت الشكال منها فإذا هو مضفور من شعر رأسها، فقالت: القه في بعض رحلك وأنا أنظر إليه ليطمئن قلبي، قال: فطرحته في رحلي وخرجت من الرقة ومعي أصحابي، فلما صرنا عند حصن مسلمة بن عبد الملك إذا بفارس يهتف من ورائي: يا أبا قدامة قف علي قليلا يرحمك اللّه فوقفت وقلت لأصحابي: تقدموا أنتم حتى أنظر من هذا، وإذا بالفارس قد دنا مني وعانقني، وقال: الحمد للّه الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائبا، قلت: حبيبي أسفر لي عن وجهك، فإن كان يلزم مثلك غزو أمرتك بالمسير، وإن لم يلزمك غزو رددتك، فأسفر عن وجهه فإذا غلام كأنه القمر ليلة البدر وعليه آثار النعمة قلت: حبيبي لك والد؟ قال لا، بل أنا خارج معك أطلب ثأر والدي، لأنه استشهد فلعل اللّه يرزقني الشهادة كلما رزق أبي، قلت: حبيبي لك والدة؟ قال: نعم، قلت:
(1) في (أ) و (م) : ظفرت، وفي (ب) وهامش (أ) : ضفرت، وكذلك فيما يأتي.
(2) الرقة: بفتح أوله وثانيه، وتشديده، مدينة مشهورة على الفرات. انظر: معجم البلدان: س / 58 - 59.
(3) يقال للمرأة التي لا زوج لها: أرملة، لافتقارها إلى من ينفق عليها، قال الأزهري: لا يقال لها: أرملة، إلا إذا كانت فقيرة فإن كانت موسرة، فليست بأرملة. انظر: المصباح: ص 239.
(4) العصبة من الرجال: نحو العشرة، أو إلى الأربعين. انظر: المصباح: ص 413.