اذهب إليها واستأذنها فإن أذنت وإلا فأقم عندها، فإن طاعتك لها أفضل من الجهاد لأن الجنة تحت ظلال السيوف [1] ، وتحت أقدام الأمهات [2] .
قال: يا أبا قدامة أما تعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا ابن صاحبة الوديعة، ما أسرع ما نسيت وصية أمي صاحبة الشكال، وأنا إن شاء اللّه الشهيد ابن الشهيد، سألتك باللّه لا تحرمني الغزو معك في سبيل اللّه، فإني حافظ لكتاب اللّه، عارف بسنة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، عارف بالفروسية والرمي، وما خلفت ورائي أفرس مني، فلا تحقرني لصغر سني، وإن أمي قد أقسمت عليّ أن لا أرجع، وقالت:
يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر، وهب نفسك للّه واطلب مجاورة اللّه ومجاورة أبيك مع أخوالك الصالحين في الجنة، فإذا رزقك اللّه الشهادة فاشفع في، فإنه قد بلغني أن الشهيد يشفع في سبعين من أهله، وسبعين من جيرانه، ثم ضمتني إلى صدرها، ورفعت رأسها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، هذا ولدي، وريحانة قلبي، وثمرة فؤادي سلمته إليك فقربه من أبيه. قال: فلما سمعت كلام الغلام، بكيت بكاء شديدا أسفا على حسنه، وجمال شبابه، ورحمة لقلب والدته، وتعجبا من صبرها عنه، فقال: يا عم مم بكاؤك؟ إن كنت تبكي لصغر سني، فإن اللّه يعذب من هو أصغر مني إذا عصاه، قلت: لم أبك لصغر سنك، ولكن أبكي لقلب والدتك، كيف تكون بعدك، قال: فسرنا ونزلنا تلك الليلة، فلما كان الغداة رحلنا، والغلام لا يفتر من ذكر اللّه تعالى، فتأملته، فإذا هو أفرس منا إذا ركب، وخادمنا إذا نزلنا منزلا، وصار كلما سرنا يقوى عزمه، ويزداد نشاطه، ويصفو قلبه، وتظهر علامات الفرح عليه.
قال: فلم نزل سائرين حتى أشرفنا على ديار المشركين عند غروب الشمس، فنزلنا فجلس الغلام يطبخ لنا طعاما لإفطارنا، وكنا صياما فغلبه النعاس فنام نومة طويلة فبينا هو نائم إذ تبسم في نومه، فقلت لأصحابي: ألا ترون إلى ضحك هذا الغلام في نومه؟ فلما استيقظ، قلت: حبيبي رأيتك الساعة تبتسم في منامك ضاحكا قال: رأيت رؤيا فأعجبتني وأضحكتني، قلت: ما هي؟ قال: رأيت كأني في روضة خضراء أنيقة [3] ، فبينما أنا أجول فيها، إذ رأيت قصرا من فضة شرفه من الدر والجوهر، وأبوابه من الذهب، وستوره مرخية، وإذا جواري يرفعن الستور، وجوههن كالأقمار، فلما رأينني، قلن لي: مرحبا بك، فأردت أن أمد يدي إلى إحداهن، فقالت: لا تعجل ما آن لك، ثم سمعت بعضهن يقول لبعض: هذا زوج المرضية، فقلن لي: تقدم يرحمك اللّه، فتقدمت أمامي، فإذا في أعلى القصر غرفة من الذهب الأحمر عليها سرير من الزبرجد الأخضر، قوائمه من الفضة البيضاء، عليه جارية وجهها كأنه الشمس، لولا أن اللّه ثبت علي بصري لذهب، وذهب عقلي، من حسن الغرفة وبهاء الجارية، قال: فلما رأتني الجارية، قالت مرحبا وأهلا وسهلا يا ولي اللّه وحبيبه، أنت لي وأنا لك، فأردت أن أضمها إلى صدري، فقالت:
(1) اقتباس من حديث تقدم تخريجه برقم 170.
(2) اقتباس من حديث تقدم تخريجه برقم 171.
(3) أي: عجيبة. المصباح: ص 26.