فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 321

572 -وهذا كقوله:"ليس الشديد بالصرعة".

573 -وكقوله:"ليس المسكين بهذا الطََواَّف"، إلى غير ذلك، انتهى [1] .

وقال القتبي [2] : المرابطة، أن يرابط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم في ثغر، كل معد لصاحبه، فسمي المقام في الثغر رباطا.

574 -وقد نقل ابن رشد في مقدماته، وابن يونس الصقلي [3] في كتاب الجامع لمسائل المدونة، وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحقن دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين [4] .

واعلم أن الرباط أحد شعب الإيمان، وموجبات الغفران، وقد ورد في فضله أشياء عظيمة لم ترد في غيره من القربات، فمن فضائله: أن رباط يوم خير من الدنيا وما عليها.

575 -عن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها". رواه البخاري وغيره.

قوله في هذا الحديث وفي أمثاله:"خير من الدنيا وما عليها"، قيل: إنه على ظاهره، وقيل: معناه أن هذه الطاعة خير من الدنيا وما عليها، لو قدر أن يملكها إنسان، وينفقها في طاعة الله تعالى، ذكره القاضي عياض في شرح مسلم [5] ، والشيخ محب الدين الطبري في فضائل العشرة وغيرهما ورجحه جماعة، لأن الدنيا وما عليها لاتزن عند الله جناح بعوضة، فكيف تقاس بشيء من الأجر الموجب للجنة، التي لا قيمة لأقل جزء منها، ولو قدر استواؤهما في القيمة والقدر -وهو محال - لكان العقل بالضرورة يقطع بأن ذرة مما يبقى أبدا خير من ملء الأرض مما يفنى، فالتفاضل بينهما إذا عار عن الفائدة، إلا أن يراد مقابلة الأجر الباقي بالأجر الباقي كما تقدم [6] . وقال بعضهم: هو من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس، المحقق، تحقيقا له وتثبيتا في النفوس، فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، فحقق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط -وهو من المغيبات - خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا.

(1) انظر: تفسير القرطبي: 4/ 323.

(2) القُتبي: بضم القاف وفتح المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة بواحدة، نسبة إلى الجد، والمشهور بهذه النسبة أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الكاتب من أهل دِيْنَوَر، سكن بغداد، ومات سنة ست وسبعين ومائتين وقيل: سنة سبعين ومائتين. الأنساب للسمعاني: 10/ 63 - 64، وفي الأصل: القتيبي بالتصغير.

(3) هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي، الإمام الحافظ النظار، أحد العلماء وأئمة الترجيح الأخيار، الفقيه الفرضي، الفاضل، الملازم للجهاد، توفي سنة 451 هـ. شجرة النور الزكية: ص 111.

(4) المقدمات: 1/ 275؛ الجامع لمسائل المدونة: 154/أ.

575 -فتح الباري: رقم 2 289، كتاب الجهاد، باب رباط يوم في سبيل الله: 6/ 85.

(5) انظر: شرح مسلم للنووي: 3 1/ 6 2 - 27، ط الثانية، دار إحياء التراث العربي.

(6) تقدم في صفحة 191، 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت