يا أخا اليمن! عليك بسواحل الشام، عليك بسواحل الشام، فإن هذا البيت يحجه في كل عام مائة ألف ومائة ألف، وثلاثمائة ألف، وما شاء اللّه من التضعيف لك مثل حجهم وعمرتهم ومناسكهم.
ومنها: أن رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل.
621 -عن عثمان رضي الله عنه، أنه قال على المنبر: سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا كتمتكموه كراهية تفرقكم عني، سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول:"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل، فليختر كل امرئ لنفسه ما شاء". رواه ابن أبي شيبة، والترمذي وقال: حديث حسن، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري.
622 -ورواه ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن مصعب بن ثابت، إلا أنه قال فيه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من رابط ليلة في سبيل اللّه كانت كألف ليلة صيامها وقيامها".
623 -وفي رواية لابن عساكر في هذا الحديث، أن عثمان رضي الله عنه قال: يا أيها الناس هَجِّروا فإني مُهَجّر، فهجر الناس، ثم قال: أيها الناس إني محدثكم بحديث ما تكلمت به منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن رباط يوم في سبيل الله أفضل من ألف يوم فيما سواه، فليرابط امرؤ حيث شاء، هل بلغتكم"؟ قالوا: نعم، قال:"اللهم اشهد".
قال المؤلف عفا اللّه عنه: وفي حديث عثمان هذا دليل واضح على أن إقامة المرابط يوما واحدا بأرض الرباط أفضل من الإقامة ألف يوم في غيره من الأماكن، سواء كان مكة أو المدينة، أو بيت المقدس ولهذا خاف عثمان رضي اللّه عنه أن يتفرق الناس عنه إذا أعلمهم بذلك رغبة في الرباط، والإقامة ببلاده، ولولا أنه يعلم أن ذلك يعم مكة والمدينة لما خاف تفرقهم وخروجهم من المدينة إلى بلاد الرباط.
624 -وقد خرج ابن عساكر من طريق زيد بن حبيرة -وهو متروك -، عن يحيى بن سعيد، عن أنس رضي اللّه عنه، قال: وحدثت عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال:"ليوم أحدكم في سبيل اللّه خير من ألف يوم في أحد المسجدين مسجد الحرام، ومسجد المدينة".
قال المؤلف: وقد خرج من مكة والمدينة من الصحابة والتابعين وتابعيهم خلق لا يعلمهم إلا اللّه ونزلوا بساحل الشام مرابطين إلى أن ماتوا أو أكرمهم اللّه بالشهادة.
625 -وروى ابن المبارك، أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه - قال المؤلف: وهو أخو أبي جهل [1] لأبويه - خرج من مكة للجهاد فجزع أهل مكة جزعا شديدا، فلم ير أحد طعم إلا خرج يشيعه فلما كان بأعلى البطحاء وقف ووقف الناس حوله يبكون، فلما رأى جزعهم رق، فبكى، وقال: يا أيها الناس إني واللّه ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، ولكن كان هذا الأمر، فخرجت رجال، والله ما كانوا من ذوي أنسابها ولا في بيوتاتها فأصبحنا، واللّه ولو أن جبال مكة ذهبا فأنفقناها في سبيل الله ما أدركنا يوما من أيامهم، واللّه
(1) اسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، قتل يوم بدر. انظر: سيرة ابن هشام: 2/ 253.