إنما جئنا لنسمع منك شيئا ننتفع به، قال: إنه من لم يكرم ضيفه، فليس من محمد ولا إبراهيم، طوبى لعبد أمسى متعلقا برأس فرسه في سبيل الله عز وجل أفطر على كسرة وماء بارد، وويل لِلوّاثين [1] الذين يلوثون مثل البقر، ارفع يا غلام ضع يا غلام، وفي ذلك لا يذكرون الله عز وجل.
قال المؤلف: عبد الله بن الحارث هذا ممن شهد فتح مصر واختط بها [2] ، وكان آخر من مات بها من الصحابة رضي الله عنهم. وقد جاء أنه إذا بعد محل الغزو، وكثر فيه الفساد من الغلول وغيره، يكون الرباط في ذلك الزمان أفضل أنواع الجهاد.
674 -فروى ابن حبان في صحيحه، عن عتبة بن الندر رضي الله عنه [3] ، أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، قال:"إذا انتاط غزوكم وكثرت العزائم، واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط".
قوله:"انتاط"، يعني بعد.
وقوله:"وكثرت العزائم"، يعني حمل السلطان عليهم شدة الأمر والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى، وقلة عونهم عليه، وغير ذلك.
قال أبو الوليد ابن رشد في المقدمات بعد ذكر هذا الحديث: دل ذلك من قوله، على أن الجهاد على السنة أفضل من الرباط، وكذلك روى ابن القاسم [4] ، عن مالك، والأظهر في تأويل ذلك عندي: أن معناه عند شدة الخوف على أهل ذلك الثغر، وتوقع هجوم العدو عليهم، وغلبته إياهم على أنفسهم ونسائهم، وذراريهم، إذ لا يشك أن إعانتهم في ذلك الوقت وحراستهم فيما يتوقع عليهم أفضل من الجهاد إلى أرض العدو، فلا يصح أن يقال: إن
أحدهما أفضل من صاحبه على الإطلاق وإنما ذلك على قدر ما يرى وينزل، انتهى [5] .
675 -وروى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن موسى بن أبي عيسى [6] ، عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قال: عليكم بالجهاد ما دام حلوا خضرا، قبل أن يكون ثمامًا، أورمامًا، أو حطامًا، فإذا انتطئت المغازي، وأكلت الغنائم، واستحلت الحرم فعليكم بالرباط، فإنه أفضل غزوكم.
(1) قال الحربي: أظنه الذين يدار عليهم بألوان الطعام من اللوث، وهو إدارة العمامة، انتهى. النهاية: 4/ 275.
(2) أي علّم عليها علامة بالخط ليعلم أنه قد احتازها ليبعيها دارا، انظر: مختار الصحاح: ص 181.
674 -موارد الظمآن: ص 392؛ والمعجم الكبير للطبراني: 17/ 135 - 136، برقم 334.
(3) عُتبة بن الندر بضم النون وتشديد الدال المفتوحة السلمي، صحابي، نزل مصر، ولا يدرى متى نزلها، مات سنة أربع وثمانين، ق. الإصابة: 2/ 456؛ التقريب: ص 232. وقال الهيثمي: وفيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك. مجمع الزوائد:5/ 290.
(4) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد العتقي بضم المهملة وفخ المثناة بعدها قاف، أبو عبد اللّه البصري، الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة إحدى وتسعين، خ مد س. التقريب: ص 208.
(5) المقدمات: 1/ 276.
675 -المصنف، كتاب الجهاد، باب الرباط: 5/ 282 - 283.
(6) موسى بن أبي عيسى الحناط بمهملة ونون، الغفاري، أبو هارون المدني، مشهور بكنيته، واسم أبيه ميسرة، ثقة، من السادسة، خت م د ق. التقريب: ص 352.