وما زال السلف الصالح من الصحابة والتابعين، يسكنون الثغور بأهلهم وأولادهم بنية الرباط، ولعل مالكا رضي اللّه عنه إنما يعني بذلك من ولدوا بالثغور، ونشأوا بها، وكانت إقامتهم فيها لوجود أهاليهم، وحبا لأوطانهم، وغبطة بما هم فيه من الأسباب والأنشاب [1] من غير قصد لهم في الرباط، لأنه قد أجاز خروج الرجل بأهله إلى الرباط كما سيأتي [2] .
وفي كلام أبي محمد بن عطية ما يشعر بذلك، فإنه قال في تفسيره: فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون، ويكسبون هنالك فهم وإن كانوا حماة، فليسوا بمرابطين، انتهى [3] . والله أعلم.
وأما من نزل ثغرا وأقام فيه لإقامة رئيسه، بحيث لو رحل رئيسه لرحل هو أيضا، أو لسبب يغبط به نفسه لا يتهيأ له في غير الثغر، أو لزوجة لا ترحل معه إلى غيره، أو لوظيفة [4] ومنصب، ورزق ونحو ذلك، بحيث لو أراد التحول إلى غيره لشق عليه ذلك، ولو امتنع توقع العدو، والجهاد من ذلك الثغر لما رحل عنه، لرغبته فيما هو فيه، أو لو وجد رزقا وسببا أوسع من رزقه وسببه بمكان آخر
لتحول من ذلك الثغر إليه، فإن هذا ليس بمرابط وليس له من أجر الرباط شيء، إذ الرابط له في الثغر إنما هو سبب آخر غير الجهاد.
ولعل مالكا رضي اللّه عنه إنما أراد هذا وأمثاله، وربما يثاب هذا على نية الجهاد إن كان نيته أن يقاتل لو نزل عدو، لأن {من يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [5] فإن كانت إقامته بالثغر لسبب غير الجهاد، وللجهاد أيضا، ولو أراد أن يتحول منه لأمكنه من غير مشقة، وكان بحيث لو امتنع الجهاد من ذلك الثغر لرحل إلى ثغر يتوقع فيه الجهاد.
ولو تعطل سببه لرحل أيضا إلى مكان آخر يجد فيه سببا وإن لم يكن ثغرا، فهذا لا يخلو إما أن يكون ذلك السبب من ضرورات المعيشة أو يكون سببا زائدا على قدر الكفاية يمكنه الاستغناء عنه، فإن كان تحصل له الكفاية بدونه، ونيته الرحيل لو فقده، فإنه ليس بمرابط على ما تقتضيه قواعد جماعة من السلف.
وما أراه يخلو عن أجر قياسا على ما اختاره أبو حامد [6] ومن نحا نحوه في أمثال هذه المسألة، لكونه لو تعطل الجهاد من ذلك الثغر لرحل عنه إلى ثغر آخر، ولا يبعد أن تقاس هذه المسألة على مسألة من غزا يلتمس الأجر والغنيمة، على ما سيأتي في الباب السادس والعشرين إن شاء الله تعالى.
وإن كان بحيث لو فقد ذلك السبب لاحتاج إلى السؤال فإنه لا يقدح في رباطه، وهذه المسائل لم أر من ذكرها، وأما من كان مقيما بثغر من الثغور، ونيته أنه لو نزل عدو لفر منه، ولم يقاتل مطلقا فإنه عاص بنيته مصر
(1) الأنشاب: جمع نشب وهو المال والعقار. انظر: الصحاح: 1/ 224.
(2) يأتي في ص: 411.
(3) انظر: تفسير القرطبي: 4/ 324.
(4) الوظيفة من كل شيء: ما يقدر له في كل يوم من رزق أو طعام وجمعها وظائف. لسان العرب: 11/ 274.
(5) اقتباس من سورة الزلزلة: آيه 7.
(6) هو: ا لغزا لي.