على معصيته ما دام في ذلك الثغر، لأن العدو إذا نزل ببلد صار القتال على أهل ذلك البلد فرض عين، لا يحل لأحد الإعراض عنه، أو الفرار منه، إلا حيث أبيح، سيما إن كان الفار رئيسا أو قدوة أو ذا منصب في الثغر، فإن إثمه في الفرار ليس كإثم من لا يؤبه له، ولا يلتفت إليه إن أقام أو رحل، ومن كانت هذه نيته فرحيله من الثغر خير له لأنه كلما طالت إقامته وهو على هذه النية السيئة، ازداد إثمه وعظم جرمه، وإذا رحل ارتفع عنه الحرج، وزال الإثم فيما يستقبل، والد أعلم.
مسألة: قال مالك رحمه اللّه: ولا بأس بأن يخرج الرجل بأهله إلى الرباط. قال سحنون [1] : إلى المواضع المأمونة الكثيرة الأهل مثل الإسكندرية، وتونس وشك في صفاقس [2] وسوسة [3] . قال مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون.
وقد كان الإمام أحمد رحمه الله ينهى عن سكنى الثغور بالأهل. والظاهر: أن ذلك إنما هو في الثغور التي لا يؤمن على أهلها، وبهذا قيده صاحب المغني، وقال: وهو قول الحسن والأوزاعي، قيل لأبي عبد اللّه: فتخاف على المنتقل بعياله إلى الثغر الإثم؟ فقال: كيف لا أخاف الإثم وهو يعرض ذريته للمشركين؟ قال صاحب المغني: فأما أهل الثغر فلا بد لهم من السكنى بأهلهم لولا ذلك لخربت الثغور، وتعطلت، انتهى [4] .
705 -وقد روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن جويبر [5] ، عن الضحاك بن مزاحم، قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر، أو من كان يؤمن بالله ورسوله، فلا يعرض ذريته للمشركين". وهذا مرسل، وجويبر متروك، واللّه أعلم.
(1) هو أبو سعيد عبد السلام، سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي القيرواني، أصله من حمص، اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، الفقيه الحافظ، العابد الزاهد، ومات سنة 0 4 2 هـ. شجرة النور الزكية: ص 69 - 0 7.
(2) سفاقس بفتح أوله وبعد الألف قاف وآخره سين، مدينة من نواحي إفريقية. معجم البلدان: 3/ 223.
(3) سوسة: بضم أوله بلفظ واحد السوس الذي في الصوف، بلد بالمغرب. معجم البلدان: 3/ 281.
(4) المغني: 8/ 357.
(5) جويبر: تقدمت ترجمته.