أما بعد، فمن المعلوم أن الخلق كلهم ملك لله وعبيد وأن الله يفعل في ملكه وملكه ما يريد [1] {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [2] ولا يقال لما لم يرد، لم لا يكون، ومع هذا اشترى من المؤمنين نفوسهم لنفاستها لديه إحسانا منه وفضلا، ورقم [3] ذلك العقد الكريم في كتابه القديم فهو يقرأ أبدًا بألسنتهم ويتلى فقال تعالى مبينا للزوم هذا العقد أزلا في محكم الفرقان: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} [4] ، ثم أرشد من اشترى منهم نفوسهم إلى الوثاء بالت مليم وحضهم عليه ببيان مالهم فيه من الربح الجزيل والفضل العميم، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم علىتجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} [5] .
وخاطب المقرين بالبيع المماطلين [6] بالتسليم خطابا بل عتابا وتوبيخا يقرأ أبدا في محكم التنزيل، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} [7] .
ثم حذرهم من الإصرار على المماطلة وتوعدهم على التسويف بعد وجوب النفي [8] فقال سبحانه:
{إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير [9] } .
واعلموا إخواني أن الدين على التحقيق هو المعاملة، وأن سبيل اليقين هي الطريق الفاضلة، والسلعة تشرف بالمساوم والمشتري، والمماطل بعد لزوم العقد هو الظالم والمفتري، وليُّ الواجد يحل عرضه [10] وعقوبته، ومن حرم التوفيق فقد عظمت مصيبته. ومما يجب اعتقاده أن الأجل محتوم [11] ، وأن الرزق مقسوم، وأن ما أخطأ لا يصيب، وأن سهم المنية [12] لكل أحد مصيب، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن ما قدر أزلا لا يخشى فيه الفوت، وأن الجنة تحت ظلال
(1) في (ر) : كما يريد.
(2) اقتباس من سورة الأنبياء: آية 23.
(3) الرقم: الكتابة والختم، الصحاح: 5/ 1935.
(4) سورة التوبة: آية 111.
(5) سورة الصف: الآيات 10، 11، 12.
(6) المطل: التسويف بالعدة والدين. القاموس المحيط: 4/ 51، (المطل) .
(7) سورة التوبة: الآية 38.
(8) والنفير: الذهاب والخروج إلى القتال. انظر: القاموس مع التاج: 3/ 578.
(9) سورة التوبة: 39.
(10) اللي: المطل، النهاية لابن الأثير: 4 / العرض: موضع المدح والذم من الإنسان، النهاية:3/ 208، 209. 280.
(11) الحتم: القضاء وإحكام الأمر. الصحاح:1892/ 5، مادة (حتم) .
(12) المنية: الموت، الصحاح: 6/ 2497.