فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 321

في السبق والرمي، أمورا ليست على موضوع الشرع، وصورا لا تتأن على قانون الصحة بل قواعد اصطلحوا عليها، وأحكاما ابتدعوها، وشروطا على الفساد وضعوها، وطرقا يصل إلى محض القمار من سلكها، ويبوء بأكل الحرام من عول عليها، هذا {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [1] } وأن كلا منهم مأجور، وهو في الإثم يجتهد، وفي اكتساب السحت [2] يسعى، ويعتقد أكثرهم أن الرهن في السبق والرمي جائز كيف ما اتفق، وأن ما يتناول فيه من العوض حلال، وهو إن لم تشمله الصحة حرام على من أخذ ومن أنفق، وكل ذلك لا يليق بمن يطلب مرضات الله في ذلك ويتخذه عبادة، ويحتسب ما أنفق فيه قربة وسببا لنيل ا لسعادة.

فَعَنَّ [3] لي أن أذكر فصلا نافعا شاملا لجميع شروط السبق والرمي، ولكثير من أحكامهما بحيث لا يخفى على من علمه صورة يداخلها الفساد، ويشويها البطلان، وعلى اللّه أعتمد في تيسير ذلك كله، وأتوكل عليه، وأعتصم بحبله، وهو حسبي وكفى، وقد جعلت هذا الفصل قسمين:

الأول: في المسابقة.

والثاني: في الرمي.

القسم الأول: في المسابقة، أن الأمة أجمعت على جواز المسابقة بالخيل والسهام، وتسمى المسابقة بالخيل رهانا، وبالسهام مناضلة، وهما سنتان يثاب عليهما فاعلهما، وينال من اللّه الأجر. بل بشرط أن يكون القصد فيهما التأهب للجهاد، والاستعداد له. وأول من وضع كتاب السبق في مصنفاته على ما حكاه المزني إمامنا الشافعي رضي اللّه، ولهذا كانت فروع هذا الباب في كتب أصحابه أكثر منها في كتب أصحاب غيره من الأئمة، ويدانيهم في ذلك أصحاب الإمام أحمد رضي اللّه عنه، فإنه صحب الشافعي واقتفى سننه في ذلك، وتبعه أصحابه عليه.

واعلم: أن للمسابقة شروطا عشر:

الأول: كون المعقود عليه عدة للقتال فيجوز في الخيل والإبل بالاتفاق، وكذا في فيل وبغل وحمار على المذهب.

ويجوز العقد على المسابقة بالأقدام والحمام والزوارق [4] والسباحة والمصارعة بلا عوض، والأصح أنها لا تجوز بعوض في هذه الخمسة، وهو مذهب مالك وأحمد [5] ، وقال أبو حنيفة: يجوز العوض في المصارعة والمسابقة على الأقدام، كذا حكاه العبدري عنه [6] ، وفي المشابكة باليد وجهان.

(1) اقتباس من سورة الكهف: الآية 104.

(2) السحت: بضمتين، وإسكان الثاني تخفيف، هو كل مال حرام لا يحل كسبه، ولا أكله، انتهى. المصباح: ص 267.

(3) عن لي، أي: ظهر لي، واعترض أمامي. انظر: المعجم الوسيط، 2/ 632.

(4) الزوارق: جمع زورق، وهو القارب، يدفع بالمجاذيف، أو بالآلة. انظر المعجم الوسيط: 1/ 394.

(5) انظر المغني: 8/ 602.

(6) هو علي بن سعد بن عبد الرحمن، المعروف. الحسن العبدري، من بني عبد الدار، ومن بلاد الأندلس كان عالما، مفتيا، عارفا ختلاف العلماء، وتوفي ببغداد سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة. انظر طبقات الشافعية الكبرى: 5/ 257 - 258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت