أم من السماء؟ وقد قاتلناهم ولا طاقة لنا بهم، فأدركنا بنفسك، فأتاه لذريق في تسعين ألف فارس، فقاتلوهم ثلاثة أيام، واشتد بالمسلمين البلاء، فقال طارق: إنه لا ملجأ لكم غير سيوفكم، أين تذهبون وأنتم في وسط بلادهم، والبحر من ورائكم محيط بكم، وأنا فاعل شيئا إما النصر وإما الموت، فقالوا: وما هو؟ قال: أقصد طاغيتهم، فإذا حملت فاحملوا بأجمعكم معي، ففعلوا ذلك، فقتل اللذريق وجمع كثير من أصحابه، وهزمهم اللّه تعالى، وتبعهم المسلمون ثلاثة أيام يقتلونهم قتلا ذريعا [1] ، ولم يقتل من المسلمين إلا نفر يسير، وبعث طارق برأس اللذريق إلى سيده موسى بن نصير [2] بأفريقية، فبعث بها موسى إلى الوليد بن عبد الملك بدمشق، ثم سار طارق إلى طليطلة [3] ، ومغيث الرومي مولى الوليد [4] إلى قرطبة، ففتحوهما، ووجدوا ذخائر وأموالا لا تحصى، منها مائدة سليمان عليه السلام، قومت بمائتي ألف دينار لكثرة ما عليها من ا لجوا هر.
وقد جعل ألب أرسلان [5] أيضا كما فعل طارق وقصته على ما ذكره الطرطوشي والقرطبي -أيضا- وغيرهما، قالوا: خرج ملك الروم من القسطنطينية في ست مائة ألف خارجا عن المطوعة [6] ، فكانوا لا يدركهم الطرف، ولا يحصرهم العدد، بل كتائب متواصلة، وعساكر متزاحمة، وكراديس [7] يتلو بعضها بعضا كالجبال الشوامخ [8] ، وقد أعدوا من السلاح، والكراع [9] والآلات لفتح الحصون ما يعجز الوصف عنها، واقتسموا الدنيا. فجعلوا لكل مائة ألف،
(1) قتلا ذريعا، أي: سريعا. انظر: الصحاح: 3/ 1211.
(2) موسى بن نصير، أبو عبد الرحمن، اللخمي، متولي إقليم المغرب، وفاتح الأندلس، قيل: كان مولى امرأة من لخم، وقيل: ولاؤه لبني أمية، وكان أعرج، مهيبا، ذا رأي وحزم. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: 4/ 496 - 500.
(3) طليطلة: بضم الطاءين وفتح اللامين، وأكثر ما سمع من المغاربة، بضم الأولى وفتح الثانية، مدينة كبيرة بالأندلس. معجم البلدان: 4/ 39.
(4) هو مغيث بن الحارث بن الحويرث، الغساني، سبي من الروم بالمشرق وهو صغير، فأدبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد، وأنجب في الولادة، وصار منه بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة، وسادوا وعظم بيتهم، وتفرعت دوحتهم، ونشأ مغيث في دمشق ودخل الأندلس مع طارق فاتحها، وقدمه طارق لفتح قرطبة، ففتحها في شوال سنة 92 هـ، ولم يذكر له مولد ولا وفاة. انظر: نفح الطيب: 3/ 12، ت د. إحسان عباس، دار صادر.
(5) ألب أرسلان، اسمه محمد بن داود، توفي سنة خمس وستين وثلاث مائة، انظر: المنتظم لابن الجوزي: 8/ 276 - 279.
(6) المطوعة: بتشديد الطاء والواو، وهو اسم فاعل، وهم الذين يتبرعون بالجهاد، والأصل المتطوعة، فأبدل وأدغم، انتهى. المصباح: ص 380.
(7) المصباح: ص 380. تكردس الرجل: انقبض واجتمع بعضه إلى بعض؟ كردس القائد الخيل والجيش: جعله كراديس. المعجم الوسيط: 2/ 788.
(8) الشوامخ: الشواهق. الصحاح: 1/ 425.
(9) الكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح. المعجم الوسيط: 2/ 783.