القوم [1] وأنا قائم بينهم، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلا بينهم [2] ، ثم انغمس فحمل على القوم، فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد [3] علام تدعون صاحبكم؟ والله ما أرى أن تدركوه حيا فحملوا فانتهوا إليه، وقد صرع عن فرسه، وقد أخذ برجلي فرس رجل من العجم، فأمسكها وإن الفارس ليضربه، فما يقدر الفرس، أن يتحرك، فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه، وخلى فرسه فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور، كدتم والله أنكم تفقدونني، قالوا: فأين فرسك؟ قال: رمي بِنُشَّابَةٍ [4] فغار وشب فصرعني [5] .
وفي يوم الحرة اجتمع الناس على عبد اللّه بن حنظلة الغسيل [6] رضي اللّه عنهما، وبايعهم على الموت، فقاتلوا قتالا شديدا، فقال لمولى له: احم ظهري، حتى أصلي الظهر، فلما قال له مولاه: ما بقي أحد فعلام تقيم؟ ولواؤه قائم ما حوله (إلا) [7] خمسة، فقال له [8] : ويحك إنما خرجنا على أن نموت، قال: وأهل المدينة كالنعام [9] الشرود، وأهل الشام جيش يزيد [10] يقتلون فيهم، فلما هزم الناس طرح الدرع وقاتلهم حاسرا حتى قتلوه.
وقال جويرية بن أسماء [11] : انهزم الناس، وعبد الله بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نوما، فنبهه ابنه، فلما رأى ما جرى أمر أكبر بنيه فقاتل حتى قتل وكان له ثمانية بنين، فلم يزل يقدمهم واحدا واحدا حتى أن على آخرهم، ثم كسر جفن سيفه فقاتل حتى قتل. ذكر ذلك ابن الذهبي الحافظ في تاريخ الإسلام [12] .
وذكر الطرطوشي في سراج الملوك، والقرطبي في تاريخه، أن طارقا [13] دخل إلى الأندلس في ألف وسبع مائة رجل، وكان تذفير نائبا عن اللذريق [14] ، فقاتلهم ثلاثة أيام، ثم كتب إلى اللذريق، أن قوما وصلوا إلينا ما أعلم من الأرض هم
(1) أي: سترني وغطاني، وأصل الغفر: التغطية، انظر: النهاية في غريب الحديث: 3/ 373.
(2) وفي (م) : عقرني.
(3) في (أ) : منهم. زبيد كزبير، بطن من مذحج. انظر: القاموس: 1/ 297.
(4) والنشاب: النبل، واحدته نشابة، والنشاب السهام. لسان العرب: 2/ 254.
(5) شَبَّ الفرس يَشِبُّ ويَشُبُّ شبابا وشبيبا، إذا قمص ولعب، والشباب بالكسر، نشاط الفرس. انظر: الصحاح: 1/ 151.
(6) عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر الراهب، الأنصاري، له رؤية، وأبوه غسيل الملائكة استشهد عبد الله يوم الحرة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها يومئذ، د. التقريب: ص 171.
(7) حرف إلا ساقطة من المخطوط، واستدركتها من تاريخ الإسلام، ولا يتم المعنى بدونها.
(8) ساقطة من (أ) .
(9) والنعام: اسم جنس للنعامة، طائر، ويذكر. انظر: القاموس: 4/ 181.
(10) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الأموي، أبو خالد، ولي الخلافة، سنة ستين، ومات سنة أربع وستين، وليس بأهل أن يروى عنه، من الثالثة، مد. التقريب: ص 384.
(11) جويريه بن أسماء بن عبيد بن مخراق، أبو مخراق، الضبغي، البصري، سمع نافعا، مات سنة ثلاث وسبعين. التاريخ الكبير للبخاري: 2/ 241 - 242.
(12) انظر: تاريخ الإسلام: 2/ 356 - 357.
(13) طارق بن زياد، ويقال: طارق بن عمرو، الليثي، بالولاء، م صله من البربر، أسلم على يد موسى بن نصير، فخ جزيرة الأندلس ودوخها، وإليه ينسب جبل طارق الذي يعرفه العامة بجبل فتح، ورحل مع سيده بعد فتح الأندلس إلى الشام، وانقطع خبره. انظر: نفح الطيب: 1/ 215؛ وانظر أيضا الأعلام للزركلي: 3/ 313 - 314.
(14) قال المسعودي: وصاحب الأندلس، كان يدعى لذريق، هذا كان اسم ملوك الأندلس، وقد قيل: إنهم كانوا من الإسبان، وهم أمة من ولد يافث بن نوح، واتصلت هنالك، والأشهر عند من سكن الأندلس من المسلمين، أن لذريق كان من ملوك الأندلس الجلالقة، وهم نوع من الأفرنجة، وآخر لذريق، الذي كان بالأندلس، قتله طارق مولى موسى بن نصير حين افتتح الأندلس. انظر: مروج الذهب: 1/ 161