29 -وعن مكحول أنه كان يستقبل القبلة، ثم يحلف عشرة أيمان أن الغزو لواجب عليكم، ثم يقول: إن شئتم زدتكم. رواهما الإمام عبد الرزاق في مصنفه. ومعنى قوله: إن شئتم زدتكم، أي من الأيمان لتطمئن قلوبكم.
فصل: جهاد الكفار فرض كفاية.
اعلم أن جهاد الكفار، في بلادهم فرض كفاية باتفاق العلماء. وحكي: عن ابن المسيب وابن شبرمة [1] أنه فرض عين.
ومعنى فرض الكفاية: أنه إذا قام به من فيه كفاية، سقط الحرج والإثم عن الباقين، فإن تركه الجميع أثموا، وهل يعمهم الإثم؟
وجهان، أصحهما: يأثم كل من لا عذرله. والثاني: يأثمون أجمعين.
وأقل الجهاد في كل سنة مرة، والزيادة أًفضل بلا خلاف، ولا يجوز إخلاء سنة من غزو، إلا لضرورة كضعف المسلمين، وكثرة العدو وخوف الاستئصال لو ابتدءوهم، أو لعذر كعزة الزاد، وقلة علف الدواب، ونحو ذلك.
فإن لم تكن ضرورة ولا عذر لم يجز تأخير الغزو سنة، نص عليه الشافعي رحمه اللّه وأصحابه [2] .
وقال الإمام [3] : المختار عندي مسلك الأصوليين فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية فتجب إقامته بحسب الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بمرة في السنة، ولا يعطل إذا أمكنت الزيادة، وما ذكره الفقهاء، حملوه على العادة الغالبة وهو [4] أن الأموال والعدد، لا تتأن لتجهيز الجيوش [5] في السنة أكثر من مرة، انتهى [6] .
وقال صاحب المغني من الحنابلة: أقل ما يفعل الجهاد في كل عام مرة، فيجب في كل عام إلا من عذر، وإن دعت الحاجة إلى القتال في كل عام أكثر من مرة، وجب لأنه فرض كفاية، فوجب منه [7] ما دعت الحاجة إليه [8] . انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره: فرض على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة يخرج معهم [9] بنفسه، أو يخرج من يثق به يدعوهم إلى الإسلام ويزعهم [10] ويكف أذاهم، ويظهر دين الله [11] حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا ا لجزية، انتهى [12] .
(1) عبد الله بن شبرمة، بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء ابن الفضل، ابن حسان الضبي أبو شبرمة الكوفي، القاضي، ثقة فقيه من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين، خت م د س. تقريب التهذيب ص 176.
(2) الأم الشافعي، 4/ 68 1؛ وروضة الطالبين للنووي، 0 1/ 8 0 2 - 9 0 2.
(3) هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني المشهور بإمام الحرمين، المتوفى سنة 478 هـ. وفيات الأعيان، 3/ 167، ت. د. احسان عباس.
(4) في روضة الطالبين: وهي.
(5) في روضة الطالبين: الجنود.
(6) روضة الطالبين، 10/ 209.
(7) في جميع النسخ: ما عدا (ر) وفيها: منه، وأثبتناه لموافقته لما في المغني.
(8) المغني، 8/ 348. ولم ينقل المؤلف نص كلام صاحب المنني لإنما لخصه منه فقط.
(9) في جميع النسخ ما عدا (ر) : بهم وأثبتنا ما فيها لموافقته، تفسير القرطبي.
(10) يقال: وزعه يزعه وزعا، فهو وازع إذا كفه ومنعه. النهاية لابن الأثير:5/ 180.
(11) عند القرطبي زيادة: عليهم.
(12) الجامع لأحكام القرآن، 8/ 152.