36 -ورواه الطبراني بإسناد حسن باختصار ولفظه قال:"ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم اللّه بالعذاب".
37 -وخرج ابن عساكر بإسناده عن مجالد [1] عن الشعبي [2] قال: لما بويع أبو بكر الصديق صعد المنبر فذكر الحديث وقال فيه:"ولا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم اللّه بالفقر".
فإن قلت: نرى الناس قد أعرضوا عن الجهاد والأغنياء فيهم كثير. فالجواب أن الغني هو:
38 -كما صح في الحديث [3] : ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب، والذي نشاهده من الناس لما أعرضوا عن الجهاد والغنائم وأقبلوا على الاكتساب من الجهات المختلفة من مباح وغيره سلط الله عليهم فقر قلب [4] وشدّة حرص وغلبة شح، فمنعوا كثيرا من الحقوق الواجبة وتناولوا كثيرا من الحرام كالمكوس [5] ونحوها وصار القليل من الدنيا عندهم خطيرا جليلا وأذلهم الحرص [6] والطمع فقل أن تجد منهم أحدا إلا وقد استولت عليه الذلة لمن يرى أن رزقه يأتي من جهته واستعبده له الطمع والخوف من فواته ولو كان غنيا لكان حرا فهو في الحقيقة وإن كان ذا ثروة فهو فقير، وإن كان في ظاهره عزيزا فالذل قد استولى على قلبه وسكن فيه وليس عند من يرتزق من سيفه شيء من ذلك لأن رزقه من الغنيمة مأخوذ بالسيف ليس لأحد غير الله فيه منة [7] ، ولما كانت الغنيمة حلالا محضا ليس فيها شبهة كانت سببا في تنوير القلب وطرد ظلمات الشح والبخل والحرص من ساحته، فصاحب الغنيمة وإن كان فقير اليد فهو غني النفس، وإن كان دِثَارُه الظاهر الذل والمسكنة فشعاره الباطن العز والعظمة كما وصفهم الله تعالى بقوله: {أذلة على المؤمنين أعزة على ا لكافرين} [8] .
وأما من اكتسب من الشبه وأذله الطمع للخلق فهو وإن كان عزيزا في الظاهر فقلبه بأنواع الذل عامر، وإن كان في الظاهر غنيا بما جمع، فهو في الباطن فقير بالحرص والطمع، وتأبى المكاسب الدنية، إلا أن تورث هذه الأخلاق الردية، {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [9] .
(1) مُجالد بضم أوله وتخفيف الجيم: ابن سعيد بن عمير الهمداني بسكون الميم، أبو عمرو الكوفي، ليس بالقوي وقد تغير بآخره، من صغار السادسة مات سنة أربع وأربعين، م 4. تقريب التهذيب: ص 328.
(2) عامر بن شراحيل الشعبي بفتح المعجمة، أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، مات بعد المائة، ع. تقريب التهذيب، ص 161.
(3) رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس". فتح الباري، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس: 11/ 271.
العرض: متاع الدنيا وحطامها. النهاية لابن الأثير: 214/ 3.
(4) في (م) : القلب.
(5) المكوس: هي الضرائب التي كانت تأخذها العشارون، تاج العروس للزبيدي: 4/ 249.
(6) في (م) : بالحرص.
(7) في (أ) (ب) و (ع) و (ط) : مانه وفي (م) : مهانة، وفي (ر) : منه مانه.
(8) سورة المائدة: آية 54.
(9) اقتباس من آية 213 من سورة البقرة.
39 -يشهد لهذا الحديث بالنسبة للطرف الأول الحديث الذي يأتي برقم 179، 1 8 1، عن عبادة بن الصامت وأبي أمامة رضي الله عنهما وبالنسبة للطرف الآخر ما مر برقم: 32 و 36. قوله: (في حديث علي) من إطلاق الحديث على الأثر.