فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 321

والآيات في مثل هذا كثيرة، والحجج واضحة منيرة.

47 -وفي الحديث:"لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء".

48 -وقال - صلى الله عليه وسلم:"موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، وغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، وخمار جارية من أهل الجنة خير من الدنيا وما فيها".

فكيف يصدك عن هذا الملك العظيم، أهل عن قليل يكونون في الأموات، وتمزقهم أيدي الشتات، وتفرقهم نوازل الآفات، مع ما يصدر منهم من النكد والعداوات، والأخلاق السيئات، والحقد على ما عرضت من حظوظهم منك للفوات، وهجرانهم إياك عند قلة المال، وتحولهم عن ودك عند تغيِّر الأحوال، وأعظم من ذلك فرارهم منك في المآل، ومحاسبتهم إياك على مثاقيل الذر في موقف السؤال، حتى يود كل واحد منهم لو نجا، وحملك ما عليه من الذنوب والأثقال.

أم كيف يصدك ما هو في معرض الذهاب والزوال، ينفر عنك عند فقده الأخلاء وتتفرق العيال، ويهجرك كل صديق كان يكثر لك الوصال، ثم يوم القيامة تسأل عنه من أين اكتسبت، وفيم أنفقت؟ ويا له من سؤال، في يوم تشيب فيه الأطفال، وتعظم فيه الأهوال وتكثر فيه الزحام ويشتد الخصام وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها [1] من هول ذلك المقام ويعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام [2] ويحاسب فيه الأغنياء على النقير والقطمير، والخطير والحقير، والناقص والتمام، ويسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام [3] ، فيأكلون ويشربون ويتنعمون في دار السلام، وأنت أيها الغني محبوس عنهم بسبب مالك، تخشى أن يؤمر بك إلى مالك.

أفتحزن على فراق ما إن قل أكثر همك وعناك، أو كثر فأغناك وأطغاك وإن مت وتركته وراءك أرداك، وبين يديك موقف الحساب عليه وما أدراك، وهب أن لك الدنيا بحذافيرها، أليس إلى الفنا مصيرها، ولا بد من فراقك لها، وإن ركنت إلى غرورها.

49 -جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي هريرة رضي الله عنه:"ألا أريك الدنيا جميعا بما فيها، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة، فإذا مزبلة [4] فيها رؤوس الناس [5] ، وعذرات [6] وخرق بالية وعظام"

(1) اقتباس من سورة الحج: آية 2.

(2) اقتباس من سورة الرحمن: آية 41.

(3) اقتباس من حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم. وهو خمسمائة عام". وقال: هذا حديث حسن صحيح. أبواب الزهد: 4/ 8 - 9.

-وابن ماجه كتاب الزهد، باب منزلة الفقراء: 2/ 1380.

-وأحمد في المسند: 2/ 296، 343، 451، 513، 519.

49 -ذكره الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء، وقال الحافظ العراقي رحمه الله: لم أجد له أصلا. إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، في ذم الدنيا: 8/ 74.

(4) بفتح الباء وضمها: موضع الزبل وهو السرجين، الصحاح: 4/ 1715.

(5) في الإحياء: أناس.

(6) جمع عذرة على وزن كلمة الخرء. إتحاف السادة المتقين شرح الإحياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت