فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 321

(البهائم) [1] ، قال: أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم [2] ، وتأمل آمالكم [3] ، ثم هي اليوم (تساقط) 5 عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رمادا (رميدا) 8، وهذه العذرات [4] ألوان أطعمنهم، اكتسبوها من حيث اكتسبوها، فقذفوها [5] في بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها [6] ، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم [7] ولباسهم، ثم أصبحت [8] والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون [9] عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك، قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا.

وإن تذكرت ولدك الكريم وحنوت عليه حنو الأب الشفيق الرحيم، فقد قال الله تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} [10] .

وتا الله لله أرحم بالولد من أبيه وأمه، وأخيه وعمه، وكيف لا وهو قد رباه قبلهم بثدي رحمه، في ظلمات الأحشاء، وقلبه بيد لطفه ورأفته في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، فأين كانت شفقتك عليه إذ ذاك، وحنوك وبعدك عنه ودنوك، وكيف يقعدك عن دار النعيم، وجوار الرب الكريم، ولد إن كان صغيرا فأنت به مهموم، أو كبيرا فأنت به مغموم، أو صحيحا فأنت عليه خائف، أو سقيما فقلبك لضعفه واجف [11] ، إن أدبته غضب وشرد، أو نصحته حرد [12] وحقد، مع ما تتوقعه من العقوق المعتاد، من كثير من الأولاد، إن أقدمت جننك، وإن سمحت بخلك، وإن زهدت رغبك، عظمت به الفتنة، وأنت تعدها منة، وعم به البلاء، وأنت تراه من النعماء، تود سروره بهمك، وفرحه بحزنك، وربحه بخسرانك، وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك، تتكلف من أجله ما لا تطيق، وتدخل بسببه في كل مضيق، ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولا تسلم إليه تدبير ر ولدك بعدما تموت، وهل إليك من تدبيره قليل أو كثير: {ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير} [13] ، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرا، ولا في رزقه نقيرا، وقد تفترسك المنية بغتة، فتمسي في قبرك صريعا وبعملك أسيرا، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيما، ويقسم مالك وارثك عدوا كان أو رحيما، ويفترق عيالك ظاعنا ومقيما. وتقول يا ليتني كنت مع الشهداء فأفوز فوزا عظيما، فيقال لك: هيهات هيهات، فات ما فات، وعظمت الحسرات، وخلوت بما قدمت من حسنات أو سيئات، ألا واسمع قول الله العزيز الغفور، محذرا لك ما أنت فيه من الغرور: {يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [14] .

هذا وإن كان ولدك من السعداء، فستجمع بينك وبينه الجنان، وإن كان من الأشقياء، فليكن من الآن، لا يجتمع أهل الجنة مع أهل النار، ولا الأخيار مع الأشرار، ولعل الله يرزقك الشهادة فتشفع فيه، وتكون بفراقك له ساعيا في أن تنجيه، احرص على ما ينجيك من العذاب، واجهد فيه، فغدا: {يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه [15] } إن هذا لهو البيان العظيم: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [16] .

وإن قلت: يشق على فراق الأخ والقريب، والصديق والحبيب، فكأنك بالقيامة وقد قامت على الخلق أجمعين: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [17] ، فإن كانت الصداقة لله، فستجمع بينكما عليون، في نعيم أنتم فيه خالدون، وإن كانت الصحبة لغير اللّه، فالفراق الفراق، قبل أن يحشر الرفاق مع الرفاق، لأن المرء في الآخرة مع محبوبه، لمشاركته إياه في مطلوبه، فإن كان من الأتقياء نفعه أخاه، وإن كان من الأشقياء، ضره وأراده، مع ما يتوقع في هذه الدار من الأقرباء والأصدقاء من الجفاء، والصد وقلة الوفاء، وكثرة الكدر وعدم الصفاء، وتغيّرهم لديك، وتلونهم عليك، وإساءتهم إليك، وهجرهم إياك، عند فوات الأغراض، وما تَجُنُّهُ قلوبهم من العلل والأمراض، إن وقعت في شدة تخلوا عنك، أو واقعت زلة تبرؤوا منك، إخوان السراء وأعداء الضراء، صداقتهم مقرونة بالغنا، وصحبتهم مشحونة بالعناء إن قل مالك مَلُّوك، وإن حال حالُك، فما [18] أخوك أخوك وإن شككت في شيء من هذا البيان، فسيظهر لك يقينا عند الامتحان، وإن ظفرت يدك منهم، بأخ من إخوان الصفا! وأين ذاك، أو خِل

(1) ما بين القوسين غير موجود في الإحياء.

(2) في الإحياء: كحرصكم.

(3) في الإحياء: كاملكم.

(4) في الإحياء زيادة: هي.

(5) في الإحياء: ثم قذفوها.

(6) أي: يتباعدون عنها. إتحاف السادة المتقين.

(7) الريش والرياش بمعنى وهو اللباس الفاخر. الصحاح: 3/ 1008.

(8) في الإحياء: فأصبحت.

(9) أي: يسيرون ويقطعون. إتحاف.

(10) سورة التغابن: آية 15.

(11) أي: مضطرب. الصحاح: ص 649.

(12) الحرد بالتحريك الغضب. الصحاح: 2/ 464.

(13) اقتباس من سورة المائدة: آية 18.

(14) سورة لقمان: آية 33.

(15) اقتباس من سورة عبس: آية 34 - 37.

(16) اقتباس من سورة البقرة: آية 213.

(17) اقتباس من سورة الزخرف: آية 67.

(18) ما: هذه تميمية لا عمل لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت