من خِلّان الوفا، وما أراك، فأنتما غدا كما قال أصدق القائلين: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين [1] } .
ولا يقعدك يا هذا عن الجهاد حبيب أو قريب، فربما افترقتما قبل المغيب، ففاتك الثواب العظيم، وبان عنك الصديق الحميم، وحرمت ما ترومه من الدرجات، وندمت فلم يغنك الندم على ما فات.
50 -وفي الحديث: إن جبريل عليه السلام قال للنبي يا محمد إن الله يقول لك: عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به.
فانظر ما اشتملت عليه هذه الكلمات اليسيرة، من ذكر الموت وفراق الأحبة، والجزاء على الأعمال أبعد هذا الإنذار إنذار {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [2] .
وإن قلت: يقعدني منصبي وجاهي الرفيع، وعزي وحجابي المنيع، فليت شعري كم فارق منصبك، محبا له إلى أن وصل إليك، وكم زال ظله من مغبط نفسه به إلى أن ظلل عليك، وسيبين عنك كما عنهم بان، وكأنك بذلك وقد كان، فإذا أنت لفراقه ثكلان، وقلبك مغمور بالحسد، وصدرك معمور بالأحزان، فلم يدم لك ما أنت فيه من المنصب والجاه، ولم تفز بما أنت طالبه من أسباب النجاة، وإن ِلآخِرَ من يخرج من النار، ويدخل بعد الداخلين، مثل ملك أعظم من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله معه أجمعين [3] . فما ظنك بمن يكون مع السابقين الأولين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مع ما لا يخفى عليك مما في المنصب، من النصب والتعب وشر العاقبة وسوء
(1) سورة الحجر: آية 47.
50 -أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من طريق أبي داود الطيالسي عن جابر رضي الله عنه بلفظ:"يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من أحببت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه". وقال: وروى ذلك من حديث أهل البيت، انتهى، ل: 3/ 373.
وفيه الحسن بن أبي جعفر، قال الحافظ في التقريب: ضعيف الحديث مع عبادته وفضله، وروى البيهقي شاهدا من طريق زافر بن سليمان عن محمد بن عيينة عن أبي حازم عن سعد بن سعد الساعدي قال: جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"يا محمد". الحديث. وزاد في آخر الحديث:"فاعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس."
وقال: رواه أبو زرعة الرازي، عن عيسى بن صبيح، عن زافر بن سليمان، عن محمد بن عيينة عن أبي حازم، قال مرة عن أبي عمرو، قال مرة عن سهل بن سعد، انتهى. شعب الإيمان: ل: 3/ 373.
ومن هذا الطريق أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإنما يعرف من حديث محمد بن حميد عن زافر عن أبي زرعة عن شيخ ثقة الشك، وتلك الرواية عن سهل بن سعد بلا شك فيه، انتهى. ووافقه الذهبي: 4/ 325.
قلت: ومدار الحديث على زافر بن سليمان عن محمد بن عيينة، قال الحافظ في التقريب: زافر بن سليمان صدوق كثير الأوهام، وقال عن محمد بن عيينة: صدوق له أوهام.
ودرجة الحديث حسن لغيره.
(2) اقتباس من سورة آل عمران: آية 13.
(3) اقتباس من حديث رواه مسلم عن المغيرة بن شعبة يرفعه برقم: 189. كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها: 1/ 176.
51 -لم أجد من خرجه.
53 -سنن الترمذي، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء لأدنى أهل الجنة من الكرامة: 4/ 98 - 99؛ وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين، موارد الظمآن، كتاب صفة الجنة، باب في أدنى أهل الجنة منزلة: ص 655، ومدار الحديث على دراج بن سمعان عن أبي الهيثم، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف في حديثه عن أبي الهيثم.