وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون [1] ألا تلقي بالك؟ إن كنت فطينا فهيما، وتفكر في قوله تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيما} [2] .
60 -وفي الحديث:"إن قيام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادته في أهله سبعين عاما".
أيها المغرور، وإن نوم المجاهد أفضل من قيام الليل، وصيام الدهور [3] ، وسيأتي لهذا مزيد بيان، وبالله المستعان.
وهب أنك صادق فيما تقول، أليس عملك مترددا بين الرد والقبول؟ أليس أمامك ما يفزع ويهول، أليس قدامك يوم الحشر المهول؟ ولا والله تدري هل ينجيك عملك، إن عملت أو يرديك.
{والله يعلم ما تخفون وما تعلنون} [4] ، {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشر ون [5] } .
وإن قلت: لا تطيب نفسي بفراق زوجتي وجمالها، وأنسي بقربها، وسروري بوصالها، فهب أن زوجتك أحسن النسوان، وأجمل أهل الزمان، أليس أولها نطفة مذرة [6] وآخرها جيفة قذرة، وهي فيما بين ذلك تحمل العذرة، حيضها يمنعك شطر عمرها، وعقوقها لك أكثر من برها، إن لم تكتحل تعمشت عينها، وإن لم تتزين ظهر شَيْنُها، وإن لم تمتشط شعثت شعورها، وإن لم تدهن طفى نورها، وإن لم تطيب تفلت، وإن لم تتطهر نتنت، كثيرة العلل، سريعة الملل، إن كبرت أيست، وإن عجزت [7] هرمت، تحسن إليها جهدك، فتنكر ذلك عند السخط.
61 -كما قال: لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط"."
تروم منها أقذر ما فيها، وتخاف هجرها، وتخشى تجافيها، يحملك حبها على الكد والتعب، والشقاء الشديد والنصب، توردك الموارد المهلكة، وترضى في أدنى هواها بهلاكك وما أوشكه، تودك لمرادها منك، فإن فات أعرضت عنك، وهجرتك وطلبت سواك، وملتك وأظهرت قلاك [8] ، وقالت بلسان حالها، إن لم تفصح بمقالها، واصلني وأنفق، أو فارقني وطلق، وبالجملة لا يمكن أن تستمتع بها إلا على عوج، ولا تدوم صحبتك إياها إلا مع ضيق وحرج، يالله
(1) سورة التوبة: آية 41.
(2) سورة النساء: آية 95.
65 -رواه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أبواب فضائل الجهاد، باب في الغدو والرواح في سبيل الله. وقال: هذا حديث حسن: 3/ 11 - 102، وإسناده صحيح.
-وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب فضل الجهاد، وقال:"ستين عاما"بدل"سبعين عاما": 9/ 160 - 161.
-والحاكم في المستدرك بلفظ البيهقي وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي: 2/ 68.
(3) يأتي بنحوه في الباب الثاني، فصل: في أن نوم المجاهد أفضل من قيام غيره الليل، وصيامه النهار، في أحاديث متفرقة.
(4) اقتباس من سورة النمل: آية25.
(5) اقتباس من سورة آل عمران: آية 158.
(6) أي: الفاسدة. انظر الصحاح: 2/ 813.
(7) عجزت المرأة تعجز بالضم أي: صارت عجوزا، وعجزت بالكسر تعجز عجزا وعجزا بالضم عظمت عجيزتها. الصحاح: 3/ 884.
61 -رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فتح الباري، رقم 29، كتاب الإيمان، باب كفران العشير: 1/ 83؛ كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة: 2/ 540، وكتاب النكاح، باب كفران العشير: 9/ 298.
-ورواه مسلم رقم 957، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - ... 2/ 626.
(8) القلى: البغض. المصباح: ص 515.