فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 321

العجب، كيف يقعدك حب هذه، عن وصال من خلقت من النور، ونشأت في ظلال القصور، مع الولدان والحور، في دار النعيم والسرور، والله لا يجفُّ دم الشهيد حتى تلقاه، وتستمتع بشهود نورها عيناه، حوراء عيناء، جميلة حسناء، بكر عذراء، كأنها الياقوت [1] ، لم يطمثها [2] إنس قبلك ولا جان، كلامها رخيم، وقدُّها قويم، وشعرها بهيم [3] وقدرها عظيم، جفنها فاتر [4] ، وحسنها باهر، وجمالها زاهر، ودلالها ظاهر [5] ، كحيل طرفها، جميل ظرفها، عذب نطقها، عجب خلقها، حسن خلقها، زاهية الحلى، بهية الحلل، كثيرة الوداد، عديمة الملل، قد قصرت طرفها عليك، فلم تنظر سواك، وتحبب إليك، بكل ما وافق هواك، لو برز ظفرها لطمس بدر التمام، ولو ظهر سوارها ليلا، لم يبق في الكون ظلام، ولو بدا معصمها [6] لسبى كل الأنام، ولو اطلعت [7] بين السماء والأرض، لملأ ريحها ما بينهما، ولو تفلت في البحر المالح، عاد كأعذب الماء، كلما نظرت إليها ازدادت في عينك حسنا، وكلما جالستها زادت إلى ذلك الحسن حسنا، أيجمل بعاقل أن يسمع بهذه ويقعد عن وصالها، كيف وله في الجنة من الحور العين أمثال أمثالها.

واعلم أن فراق زوجتك تلك لا بد منه، وكأن قد وقع، والجنة إن شاء اللّه تجمع بينكما ونعم المجتمع، وما بينك وبين وصلها إن كانت من الصالحات، إلا وقت لا بد من فراقك لها فيه وهو الممات، فتجدها في الآخرة أجمل من الحور العين بما لا يعلمه إلا رب العالمين، قد ذهب ما تكره منها، وزال ما يسوء عنها، وحسن خُلُقُها، وكمل خَلْقُها، كحلاء نجلاء، حسناء زهراء، بِكْرًا، عذراء، قد طهرت من الحيض والنفاس، وكرمت منها الأنواع والأجناس، وزال اعوجاجها، وزاد ابتهاجها، وعظمت أنوارها، وجل مقدارها، وفضلت على الحور العين في الجمال، والأنوار، كفضلهن عليها في هذه الدار، فاعرض عنها اليوم لله فسيعوضك الله عنها، وإن كانت من أهل الجنة فلابد لك منها، ولا يلهينك يا هذا عن دار القرار، الاغترار بشيء من زخرف هذه الدار، فوالله ما هي بدار مقام، ولا محل اجتماع والتئام، دار إن أضحكت اليوم أبكت غدا، وإن سرت أعقب سرورها الردى، وإن جلَّت فيها النعم جميعا، حلَّت فيها النقم سريعا، إن أخصبت أجدبت، وإن جمعت فرَّقت، وإن ضمت شتت، وإن نقصت تغصت، وإن أغنت عنت [8] وإن زادت أبادت، وإن عقرت دمرت، وإن أسفرت أدبرت، وإن راقت أراقت، وإن صافت حافت [9] ، وإن عمَّت بنوالها غمَّت بوبالها، وإن جادت بوصالها جاءت بفصالها، قربها بعيد، وحبيبها طريد، شرابها سراب،

(1) الياقوت: حجر من الأحجار الكريمة، وهو أكثر المعادن صلابة بعد الماس شفاف، مشوب بالحمرة، أو الزرقة، أو الصفرة. المعجم الوسيط: 2/ 1065.

(2) المرجان: هو صغار اللؤلؤ، أو هو عروق حمر تطلع من البحر، كأصابع الكف. انظر المصباح: ص 567.

(3) أي: لم يدمها بالنكاح. انظر المصباح: ص 377.

(4) والبهيم، ما كان لونا واحدا، لا يخالطه غيره، سوادا كان أو بياضا، لسان العرب: 14/ 324.

(5) دل المرأة ودلالها، تدللها على زوجها، وذلك أن تريه جراءة عليه في تغنج وتشكل، كأنها تخالفه، وليس بها خلاف. لسان العرب: 13/ 324.

(6) المعصم، موضع السوار من اليد. لسان العرب: 15/ 301.

(7) اطلع بمعنى طلع. المعجم الوسيط: 2/ 568.

(8) عناه: كلفه ما يشق عليه. المعجم الوسيط: 2/ 639.

(9) أي: جارت وظلمت. الصحاح: 4/ 1347.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت