العلم. بل إن جمهور الفقهاء والأصوليين ليسوا على القول باعتبار عمل أهل المدينة دليلا يعمل به لاسيما عند الخلاف ومعارضته لما هم أقوى منه من الأدلة المتفق عليها.
2 -كذلك يمكن مناقشة استدلال الشافعية بما ورد عن الصحابة كابن عمر وابن عباس بتكفين الرجل في خمسة أثواب بأنه مخالف للسنة والإجماع كما سيأتي.
والذي يظهر أن الأولى في أكثر ما يكفن به الرجل ثلاثة أثواب والمرأة في خمسة، وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، لما يلي:
1 -أن هذا هو الثابت من فعل الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما مات حيث أنهم كفنوه - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب، وكان ذلك على مرأى ومسمع منهم، ولعله كان من أوائل الإجماعات التي وقع في هذه الأمة بعد موت نبيها - صلى الله عليه وسلم -.
2 -أن الزيادة على ذلك سَرَف وتبذير، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: لا تُغَال في كفن، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا تغالوا في الكفن، فإنه يُسلبه سلبا سريعا" [1] . ومعنى: يُسْلَب الميتُ الكفن، أي يُبْلى عليه ويقطع ولا يبقى ولا ينتفع به [2] .
كما أن الحي أولى بذلك من الميت لأن مصير الكفن للتراب والصديد. قيل لأبي بكر - رضي الله عنه - ألا تشتري لك ثوبا جديدا؟ فقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت إنما هو للمُهْلَة [3] .
(1) -سنن أبي داود, كتاب: الجنائز, باب: كراهية المغالاة في الكفن 11/ 116 رقم 8597 - السنن الكبرى للبيهقي, كتاب: الجنائز, باب: من كره ترك القصد فيه 3/ 566 رقم 6695. وحسنه ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام 5/ 50 - 710) ، والنووي والمنذري (انظر: البدر المنير 5/ 2017) . لكن ضعفه الألباني في ضعيف الجامع 1/ 902 رقم 6247. والظاهر أن سنده ضعيف، فسماع الشعبي من علي بن أبي طالب فيه نظر كما في (بيان الوهم والإيهام 5/ 710) . وعمرو بن هاشم (= أبو مالك الْجنَبي) ضعيف كما في (تهذيب التهذيب 8/ 112) . والله أعلم.
(2) -عمدة القاري 8/ 220.
(3) - سبق. انظر ص 182.