علي خلف الجنازة، وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها. فقلت: لعلي ما بال أبي بكر وعمر يمشيان أمام الجنازة؟ فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، إلا أنهما يُسهلان على الناس [1] . ومعناه أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها تعظيما لها، فلو اختار المشي خلف الجنازة لضاق الطريق على مشيعيها [2] .
ثانيا: الاستدلال بأن عمر كان يَقْدُم الناسَ أمام الجَنازة، في جِنازة زينب بنت جحش.
يرد عليه، بأنه يحتمل أن يكون ذلك لعارضٍ أو نساءٍكن خلفها فكرِه للرجال مخالطتهن [3] .
ثالثا: أما قول الماوردي: ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه مشى خلف الجنازة.
فيُرد عليه بأنه قد ثبت مشيه - صلى الله عليه وسلم - خلف الجنازة, فعن أبي أُمامة - رضي الله عنه:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشى خلف جنازة ابنه إبراهيم حافيا", وعن جابر بن سَمُرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"تبع جنازة ابن الدَّحْدَاح ماشيا, ورجع على فرس" [4] .
أما قولهم بالمشي أما الجنازة؛ لأنهم شفعاء له، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم:"ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه، والشفيع يتقدم المشفوع له."
فيرد عليه بأن هذا لا يستقيم؛ لأن الشفاعة في الصلاة، وهم يتأخرون عندها؛ ولأن الشفيع إنما يتقدم عادة إذا خيف عليه بطش المشفوع عنده فيمنعه الشفيع، ولا يتحقق ذلك هنا [5] .
(1) -لم أقف عليه من رواية ابن أبي ليلى. ولعله وهم من الكاساني-رحمه الله-، لكن أخرجه البيهقي في الكبرى (4/ 38 رقم 6868) من رواية عبد الرحمن بن أبزى، ثم عقب عليه- مشيرا إلى تضعيفه- , فقال: ولكن الآثار في المشي أمامها أصح وأكثر. أ ه.
(2) - بدائع الصنائع 1/ 310.
(3) - اللباب في الجمع بين السنة والكتاب 1/ 332.
(4) -سبق تخريج كلا الأثرين. انظر , ص: 198, 199.
(5) - تبيين الحقائق 1/ 245.