هو جواز كراء رباع وبيوت مكة بلا كراهة ولا حرج، وهو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني. وسبب هذا الترجيح هو قوة ما استدلوا به من الأدلة مع خلوها من المعارضة الراجحة، في حين أن أدلة المانعين من أيجار رباع مكة ودورها أدلة ضعيفة، لا تسلم من المعارضة القوية، والله أعلم.
فقه عبد الله بن عمرو:
الظاهر من الأثر الوارد في صدر المسألة أن عبد الله بن عمرو يذهب إلى حرمة إيجار رباع مكة وديارها. وسبب ذلك هو ما ذكره من الوعيد الشديد لمن يأكل كراء رباع مكة، وهذا الوعيد لا يكون إلا على محرم.
(1) -"الحَرَم" (بفتحتين) لغةً من: حرم الشيء حرما، وحراما، وحرم حرما وحراما، أي امتنع فعله. ومنه: الحرام بمعنى الممنوع, والحُرمة ما لا يحل انتهاكها (انظر: المحكم والمحيط الأعظم 3/ 326 - المصباح المنير 1/ 131, مادة: ح ر م) . ووجه تسمية الحرم: هو أن الله - سبحانه وتعالى - حرم فيه كثيرا مما ليس بمحرم في غيره، كالصيد وقطع النبات. والحرم في"الاصطلاح"يطلق الحرم على أمور:
(أ) مكة وما حولها، وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق كلمة"الحرم". يقول الماوردي (الأحكام السلطانية، ص:241) : أما الحرم فمكة وما طاف بها من جوانبها إلى أنصاب الحرم. أ ه. وعليه، فمكة جزء من الحرم. قال القرطبي-في تفسير قوله - سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت, من الآية: 67] : هي مكة، وهم قريش. أمنهم الله - سبحانه وتعالى - فيها (تفسير القرطبي 13/ 363) .
(ب) : المدينة وما حولها: لقوله - صلى الله عليه وسلم:"المدينة حرم من كذا إلى كذا, لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث. من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (صحيح البخاري 3/ 20 رقم 1867) . والكلام-معنا هنا-عن حرم مكة:"
أولا: دليل تحريم حرم مكة: اتفق أهل العلم: على أن مكة وما حولها من الحرم حرامٌ بتحريم الله - سبحانه وتعالى - إياه. ومن أدلة ذلك:
أ-من الكتاب:
1 -قوله - سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [سورة العنكبوت, من الآية: 67] .
2 -قوله - عز وجل: (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها) [سورة النمل, من الآية: 91] .
ب: من السنة:
1 -قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله حرم مكة فلا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي (صحيح البخاري 3/ 14) ."
2 -وقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن هذا البلد حرمه الله - سبحانه وتعالى - يوم خلق السماوات والأرض" (صحيح البخاري 4/رقم 3189104 - صحيح مسلم 2/ 986 رقم 1353) .
ثانيا: حدود حرم مكة:
1 -من جهة المدينة: عند التنعيم، وهو على ثلاثة أميال. وقال المالكية: أنه أربعة أو خمسة أميال. ومبدأ التنعيم من جهة مكة عند مسجد عائشة. وما بين الكعبة والتنعيم حرم. والتنعيم من الحل.
2 -من جهة اليمن: سبعة أميال عند أضَاةُ لِبْن (بكسر فسكون، كما في: تاج العروس 36/ 87) .
3 -من جهة جُدة: عشرة أميال عند منقطع الأعشاش لآخر الْحُدَيْبِيَة. والحديبية من الحرم.
4 -من جهة الْجِعِرَّانَة: تسعة أميال في شعب عبد الله بن خالد.
5 -من جهة العراق: سبعة أميال على ثنية بطرف جبل المقطع، وذكر في كتب المالكية أنه ثمانية أميال.
6 -من جهة الطائف: على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال عند طرف عُرْنَة.
وابتداء الأميال من الحجر الأسود. هذا وقد حدد الحرم المكي الآن من مختلف الجهات بأعلام بينة مبينة على أطرافه مثل المنار مكتوب عليها اسم العلم باللغات العربية والأعجمية. (البناية شرح الهداية 4/ 448 - الحاوي 14/ 336 - المجموع 7463 - الكافي في فقه الإمام أحمد 4/ 140 - معالم مكة التاريخية والأثرية للبلادي, ص 287) .