المشروعية هو ذكره - سبحانه وتعالى - الفُلك (السفن) التي سخرها لخلقه في سياق الامتنان والتفضل.
وقد اتفقوا على أن الغزو في البحر مشروع وفضله عظيم [1] .
دليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"نام عند أُم حَرَام، ثم استيقظ, وهو يضحك. فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال:"ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثَبَجَ هذا البحر، ملوكا على الأَسِرَة". وأنه دعا لها أن يجعلها منهم بسؤالها إياه ذلك [2] ."
لكنهم اختلفوا: أيهما أفضل وأولى، الغزو في البحر أو الغزو في البر؟
فقيل: قتال البر أفضل من قتال البحر، وقيل: العكس، وقيل: الأفضل باعتبار الحال، وحسب ما يلي كل فرض؟
سبب الخلاف: هو تعارض الأحاديث الثابتة في فضل الغزو في البحر وعِظم أجر الغُزاة في البحر مع ما ورد عن عمر - رضي الله عنه - من نهيه عن حمل المسلمين فيه، كما أن المخاطرة التي تكون في البحر أعظم منها في البر.
وقد اختلفوا في ذلك على قولين:
الأول: غزو البحر أفضل من الغزو في البر، وأجره أعظم.
وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص. وهو مذهب الحنابلة [3] . قال المَرْدَاوي: [هو المذهب] بلا نزاع [4] .
(1) -البيان والتحصيل 2/ 554 - الحاوي 14/ 141 - المغني 9/ 199 - الاستذكار 5/ 127 - عون المعبود مع حاشية ابن القيم 7/ 121.وقوله:"ثبج هذا البحر", أي: ظهره ووسطه. (انظر: مقاييس اللغة 1/ 339, مادة ث ب ج) .
(2) -متفق عليه: صحيح البخاري, كتاب: الجهاد والسير, باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء 4/ 16 رقم 2788 - صحيح مسلم, كتاب: الإمارة, باب: فضل الغزو في البحر 3/ 1518 رقم 1912.
وأم حرام هي: بنت ملحان الأنصارية (ت: 27 هـ) : صحابية جليلة القدر. كانت تخرج مع الغزاة، وتشهد الوقائع. حضرت فتح قبرص, وماتت بها. (الطبقات لابن سعد 7/ 319 - الاستيعاب 4/ 1931) .
(3) -مختصر الخرقي 138 - الهداية على مذهب أحمد 207 - المبدع شرح المقنع 3/ 283.
(4) -الإنصاف 4/ 120, وما بين المعقوفتين من الباحث.
والمَرداوي هو: علي بن سليمان بن أحمد (ت: 885 هـ) : من فقهاء الحنابلة. من أشهر كتبه"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. (ترجمته في: شذرات الذهب 9/ 510 - الأعلام للزركلي 4/ 292) ."