الصراع بين الحق والباطل، بين الإسلام الفتي الناشئ والجاهلية الهَرِمَة الآفلة. ولقد تورطت عائلته في هذا الصراع ابتداءً من جده العاص بن وائل الذي كان من جبابرة مكة، حيث لم يسلم منه المسلمون، ومن ثم لم يسلم-هو نفسه-من القرآن؛ فنزلت فيه آيات تُشير إلى عناده وجبروته وبطشه بالمسلمين [1] . كذلك لم يسلم المسلمون من أبيه عمرو، لا أدل على ذلك من سعيه عند النجاشي ليؤلبه على من قصده من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة بإيعاز من قريش. ولقد كان عبد الله شاهد عيان ومؤرخا بصيرا لما كان يَحدُث للمسلمين من أذى، وعلى رأسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - , فعن عُرْوَة بن الزبير [2] , قال: قلت لعبد الله بن عمرو ابن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة, إذ أقبل عُقبة بن أبي مُعَيط [3] ؛ فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , و لَوَى ثوبه في عنقه؛ فخنقه به خنقا شديدا؛ فأقبل أبو بكر؛ فأخذ بمِنْكَبه, ودفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ,
(1) - ومما نزل فيه من القرآن، قوله - سبحانه وتعالى: (إن شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [الكوثر, الآية:3] ؛ وذلك أنه قال: إني شانئ محمدا، فقال - عز وجل: من شنأه من الناس كلهم فهو الأبتر. وكذاك نزل فيه قوله - سبحانه وتعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [سورة الحجر, الآية:95] . (انظر: تفسير مجاهد ص 757 - جامع البيان في تأويل القرآن للطبري 17/ 155 - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 62 - تفسير ابن كثير 8/ 504) .
(2) - عروة بن الزبير بن العوام القرشي, أبو عبد الله (ت: 93 هـ) : أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. كان عالما بالدين، صالحا كريما، لم يدخل في شيء من الفتن. وهو أخٌ شقيق لعبد الله بن الزبير. (انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد 5/ 136 - وفيات الأعيان لابن خلكان 1/ 316) .
(3) - عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس, كان من شياطين، وهو الفاسق الذي ذكره الله- تعالى- في كتابه. أسره النبي-صلى الله عليه وسلم -يوم بدر وضرب عنقه صبرًا. من أبناءه الوليد بن عقبة أخو عثمان بن عفان لأمه، وأم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات الأوائل، روت عن النبي- صلى الله عليه وسلم. (انظر:"الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب"لابن ماكولا. دار الكتب العلمية: بيروت, ط 1. 7/ 209) .