فهرس الكتاب
الثاني: بأن بعضها محمول على حالة خاصة كما في النهي عن بيع الماء حماية للكلأ حوله، ويحتاج إليه الرعاء لرعي مواشيهم له.
يقول النووي: أما النهي عن بيع فضل الماء ليمنع بها الكلأ فمعناه أن تكون لإنسان بئر مملوكة له بالفلاة، وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذه، فلا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض؛ لأنه إذا منع بذله امتنع الناس من رعي ذلك الكلأ خوفًا على مواشيهم من العطش، ويكون بمنعه الماء مانعًا من رعي الكلأ [1] .
الترجيح:
الأقرب هو القول بعدم جواز بيع الماء إلا أن يكون تبعا لغيره، وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور، وذلك لما يلي:
1 -قوة أدلة أصحاب هذا القول وخلوها عن المعارضة القوية.
2 -كما أن الماء من ضروريات الحياة التي لا تقوم إلا به، قال - صلى الله عليه وسلم: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [سورة الأنبياء, من الآية:30] . ومن ثم ففي احتكاره وبيعه اتجار ٌبتلك الحياة، سواءً كانت حياة إنسان أو حيوان أو نبات.
لكن يَرِد على هذا الترجيح إشكال، وهو أنه كيف يصح للدولة تحصيل قيمة"فاتورة"المياه من المواطنين، على افتراض صحة القول بحرمة بيعه. كذلك حُكم بيع المياه المُعَبئة (المعَدِنية) والتي تعمل فيها شركات كثيرة تابعة للقطاعات غير الحكومية.
يجاب على ذلك الإشكال، بأن هذه القيمة المادية التي تأخذها الدولة أو الشركات العاملة في بيع المياه ليست في مقابل ثمن الماء نفسه إنما هي في مقابل خدمات التعبئة والتوصيل والصيانة، وعمليات المعالجة الكيميائية والحيوية ونحوها التي تتم
(1) - شرح مسلم للنووي 10/ 229.