والأقرب، هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من كون الاحتكار يقع في كل ما يحصل به ضيق على الناس؛ لأن الشريعة إنما جاءت لرفع الحرج والضيق عن الناس، والله أعلم.
ومن الشروط التي اتفق عليها الفقهاء في السلعة المحتكرة [1] :
الشرط الأول: أن يحصل المحتكر على السلعة بالشراء، ويخرج بذلك من جَلَب شيئًا أو ما كان من غلة ضيعته، فما ادخره من ذلك ليس باحتكار. لحديث"الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" [2] . ولأن الجالب لا يُضيق على أحد، ولا يضر بل ينفع.
الشرط الثاني: أن يشتريه في وقت الغلاء ويحبسه ليتضاعف ربحه، فإن اشتراه في وقت رخص فليس بمحتكر [3] .
الشرط الثالث: أن يقع الناس في ضيق بشرائه.
ويحصل بأمرين:
أحدهما: أن يكون في بلد يضيق بأهله الاحتكار كالحرمين ونحوهما، وظاهر هذا أن البلاد الواسعة الكبيرة لا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبًا.
الثاني: أن يكون في حال الضيق، بأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذَوو الأموال فيشترونها ويضيقون على الناس، وأما إن اشتراه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد لم يحرم.
فقه عبد الله بن عمرو:
مما سبق يتضح أن جمهور الفقهاء على حرمة الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو ظاهر ما روي عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - , وإن كان الأقرب هو جريان الاحتكار في
(1) -انظر: بدائع الصنائع 5/ 129 - الاختيار لتعليل المختار 4/ 161 - البيان في مذهب الشافعي 5/ 357 - تحفة المحتاج شرح المنهاج 4/ 319 - المغني 4/ 167 - الشرح الكبير على متن المقنع 4/ 47 - كشاف القناع 3/ 187.
(2) - سبق, ص 310.
(3) - وهذا الشرط نص عليه الشافعية خاصة. انظر: المهذب للشيرازي 2/ 64 - المجموع للنووي 13/ 44 - تحفة المحتاج شرح المنهاج 4/ 317.