أمرك أن تقاتل. فخرج - رضي الله عنه - تحت سَطوة هذا النص الذي قيده به أبوه. لكنه اشترط أن يقف معهم ولا يقاتل [1] .
ثم يندم على ذلك أشد الندم، و يلازمه هذا الندم عمره كله, وكثيرا ما كان يقول- كلما تذكر صفين-: مالي ولصفين ومالي ولقتال المسلمين, لوددت أني مت قبله بعشرين سنة, أما والله أني على ذلك ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم, وما كان رجل أجهَدَ مِني من رجل لم يفعل شيئا من ذلك. وذكر أنه كانت الراية بيده [2] .
وكان وجود عَمَّار بن ياسِر [3] - رضي الله عنه - مع فئة علي - رضي الله عنه - , وقتاله معهم, ثم قتْلِه على يد أهل الشام هي الطامة الكبرى التي نزلت بعبد الله. فعن عبد الله بن الحارث [4] , قال: إني لأسير مع معاوية- في مُنصرفه من صفين- بينه وبين عمرو بن العاص, فقال عبد الله بن عمرو: يا أبت, ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لعمار:"ويحك يا ابن"
(1) - مستدرك الحاكم 3/ 605 - تاريخ دمشق 31/ 278 - مجمع الزوائد للهيثمي 7/ 240 رقم 12048، وقال: في الصحيح بعض أوله. ورواه الطبراني من رواية عبد الملك بن قُدامة الجُمَحِي، عن عمرو بن شعيب. وعبد الملك: وثقه ابن معين وغيره، وضعفه أبو حاتم، وآخرون. أ هـ.
قلت: له شاهد صحيح من رواية حنظلة بن خويلد العنبري (تابعي ثقة) في قصة اختصام رجلين - عند معاوية-في رأس عمار بن ياسر- رضي الله عنه-, وفيه: أن عبد الله بن عمرو, قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه. فأنا معكم ولست أقاتل. (مسند =أحمد 2/ 602 رقم 2969، قال الأرنؤوط: إسناده صحيح) . للمزيد انظر:"عصر الخلافة الراشدة: محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين"لأكرم ضياء العمري, (ص: 469) . مكتبة العُبيكان - الرياض, ط 1، 1430 هـ.
(2) - الطبقات لابن سعد 4/ 266 - تاريخ دمشق 31/ 279 - تاريخ الإسلام 5/ 101 - معجم الصحابة 3/ 500 - أُسد الغابة 3/ 375.
(3) - عمار بن ياسر بن عامر العنسيّ، أبو اليقظان (ت: 37 هـ) : صحابي، من السابقين الأولين. هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولاه عمر الكوفة. شهد الجمل وصفين مع علي - رضي الله عنه -. وقُتِل في الثانية، وعمره ثلاث وتسعون سنة. (انظر: معرفة الصحابة 4/ 2070 - الاستيعاب 3/ 1135 - تاريخبغداد 1/ 478 - أسد الغابة 4/ 122) .
(4) - عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي: خالته أم حبيبة أم المؤمنين، حَنكه النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ولد. ولي مكة زمن عثمان. اصطلح عليه أهل البصرة عند موت يزيد، فبايعوه، حتى يتفق الناس على إمام. (ترجمته في: الطبقات لابن سعد 5/ 17 - معجم الصحابة 4/ 17) .