يلتقون على الماء، ويسعى بعضُهم إلى بعض دون قتال، ولكنه الجدال والمناقشة. ولم تُنْتِج المكاتباتُ والرسل نتيجةً، فلم يكن بُدٌّ من القتال [1] .
عبد الله في صفين:
إن الفتنة عمياءُ حقا، ويأبى الله - سبحانه وتعالى - أن تكون العصمة إلا لأنبيائه ورسله. فعبد الله بن عمرو رَاوِيَة أحاديث الفتن، المُتقن لها، يأبى قدر الله - سبحانه وتعالى - إلا أن يَدخل في لُجتها المُظلمة، ويَلج دروبها المُوحِشة [2] . فلما صار معاوية, ومعه عمرو, إلى صفين, طلب عمرو من عبد الله أن يخرج معه, فأبى عبد الله, و كان رأيه الاعتزال. لكن وجود عبد الله الزاهد العابد في صف معاوية ومن معه من أهل الشام يبعث برسالة قوية لباقي الجيش الذي قد تهتز روحه المعنوية , عندما يجد أن جُل من وُصفوا بالعبادة والزهد, والسابقة إلى الإسلام, كانوا مع علي - رضي الله عنه - كما تبعث برسالة خارجية إلى جيش علي - رضي الله عنه - فحْواها: أنه لو كانت الرغبة في الدنيا, والخروج عن جماعة المسلمين وشق صفهم - لو كانت هي غاية معاوية ومن معه, لما خرج أمثال عبد الله بن عمرو الزاهد العابد الورِع معهم. فأمر عمرو عبد الله بالخروج للقتال، فقال عبد الله: يا أبتاه أتأمرني أن أخرج فأقاتل، وقد كان من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قد سمعت [3] . فقال: أنشدك بالله أتعلم أن ما كان من عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليك: أنه أخذ بيدك, فوضعها في يدي, فقال: أطع أباك عمرو بن العاص؟ قال: نعم. قال: فإني
(1) - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (3/ 320) . تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا. دار الكتب العلمية، بيروت.
(2) 2 - سيأتي في مطلب:"علم عبد الله بن عمرو وروايته"، وأنه قد تميز بصنف معين من المرويات، والتي منها أحاديث الفتن. انظر ص:37.
(3) - يقصد حديث سهل بن سعد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه:"كيف أنتم إذا بقيتم في حثالة ... وفيه: ثم خص بهذا عبد الله بن عمرو بن العاص- فيما بينه وبينه- فقال: ما تأمرني به يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال:"آمرك بتقوى الله, عليك بنفسك وإياك وعامة الأمور". (أخرجه البيهقي بتمامه في السنن الكبرى, كتاب: قتال أهل البغي, باب: ما على الرجل من حفظ اللسان عند السلطان وغيره(8/ 286 رقم 16669) - وأخرجه البخاري مختصرا, انظر: صحيح البخاري, كتاب: الصلاة, باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (1/ 103 رقم 478) ."