فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 404

ثانيًا: المعنى الإجمالي للقاعدة:

المراد بهذه القاعدة أن من حدث به جنون ولو لمرة واحدة من عمره، فإن أحكام الجنون تُلحق به في عمره كله، ويتضح ذلك في باب الخصومة والقضاء، فإن دفع الدعوى أو التهمة بأنه كان وقت ما حصل منه من قول أو فعل أنه كان مجنونًا، فما حصل منه من قول فإنه يعتبر معفوًا عنه؛ لأنه لغو، كما في الطلاق والقذف، أما الحقوق المالية كالإتلاف والقتل فإنها لا تسقط.

والمجنون في حال إفاقته بمنزلة سائر العقلاء في أحكامه.

ثالثًا: القاعدة من حيث الاتفاق والخلاف:

أورد هذه القاعدة السرخسي من الحنفية بهذا اللفظ [1] ، كما أوردها بلفظ: «الجنون إذا وجد مرة في الصغر أو الكبر فهو عيب لازم أبدًا» [2] ، والقاعدة محل وفاق بين المذاهب، يتبين ذلك من خلال النظر في الفروع الفقهية، فمن ادّعى الجنون وقد عُهد منه فإنه يُعامل معاملة المجنون في عدم التكليف حال جنونه، أما في حال الإفاقة فإنه يُعامل معاملة سائر العقلاء.

رابعًا: الاستدلال للقاعدة:

يُستدل للقاعدة من المعنى، فقد ذكر فقهاء الحنفية أن من نزل به الجنون ولو لمرة واحدة في حال الصغر أو الكبر فبريء منه وزال، فإن هذا الزوال لا يكون على وجه لا يبقى له أثر بل يبقى ظاهرًا في حماليق [3] عيني من جُنّ، فهو بهذه الدعوى إنما يضيف كلامه إلى حالة

(1) شرح السير الكبير (5/ 2026) ، وقد نقلها عنه البركتي في قواعد الفقه ص (74) .

(2) المبسوط (13/ 111) .

(3) حماليق: جمع حِملاق بالكسر باطن جفن العين الذي يُسوّده الكحل، يقال: جاء فلان متلثمًا لا يظهر من حسن وجهه إلا حماليق حدقتيه، وقد حملق الرجل: فتح عينيه ونظر نظرًا شديدًا.

ينظر: الصحاح ص (264) مادة (حملق) ، المصباح المنير ص (132) مادة (حملق) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت