نفسه بشرطه المعتبر في الفقه، فهل يعطى مع الغنىَ؟ قولان؛ القديم: أنه يعطى؛ لعموم الآية، ولأن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى مع الغنَى، والجديد: المنع؛ لأنه يأخذ للحاجة، فاعتبر فقره كالمكاتب، وابن السبيل، ويخالف الغارم لمصلحة كلية، فإنه يأخذ لإطفاء الفتنة (1) .
وأما سبيل الله؛ وهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، فإنهم يعطون ولو مع الغنَى، فصارت الأصناف ما عدا الفقير، والمسكين، منقسمة على قسمين: قسم يعطى مطلقا: وهو العامل، والمؤلفة، والغزاة، وقسم يعطى بشرط الفقر؛ وهم: الرقاب، والغارمون في مصلحة أنفسهم، وابن السبيل، فقد ترك الظاهر في هؤلاء.
وكذلك قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] فإن ظاهر الآية؛ استحقاق اليتيم مطلقا، لكن ترك هذا الظاهر، واشتُرطَ فقره على الأظهر (2) ، ولا يقال هذا من التخصيص، بل هو من التأويل.
وكذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] فإن الخلود في الآية مؤول بالمستحل، أو الثواء (3) الطويل، لا الثواء الأبدي الدائم الذي هو مختص بالكافر، وفي هذا الرمز مَقْنع.
(1) ينظر: علي بن محمد الماوردي، الحاوي الكبير (8/ 508، 509) ، ومحمد الغزالي، الوسيط (4/ 560) ، ويحيى النووي، روضة الطالبين (2/ 317) .
(2) ينظر: أحمد الجصاص، أحكام القرآن (4/ 250) ، وعلي الماوردي، الحاوي الكبير (8/ 430) ، وإبراهيم الشيرازي، المهذب (3/ 300) .
(3) ثوى يثوي ثواءً، إذا أقام بالمكان، والثواء: طول المقام، والمثوى: موضع الثواء.
ينظر: الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين (8/ 252) ، وأحمد بن فارس الرازي، معجم مقاييس اللغة (1/ 393) ، ومحمود بن عمرو الزمخشري، أساس البلاغة (1/ 119) .