فهرس الكتاب
لما رأى البلقيني دروس التصنيف في التفسير، وما صاحبه من خلوّ أهله في زمانه أو كاد، ولم يبق فيهم من له لذلك استعداد، احتذى لحث الشارع المبني على الامتثال، فأفرد مقدمة لتفسيره: (نهر الحياة) كأداة تيسيرية، ومدخل يتيح للدارس ماحواه القرآن الشريف من أنواع علمه المنيف، في اثنتين وخمسين نوعا، منقسمة إلى قسمين، ما يحصر، وما لا يدخل تحت الحصر، مصنفا المحصور إلى ستة أمور متفاوتة نوعا، وتأتي قيمة هذا الكتاب في:
المطلب الأول: الهندسة الموضوعية
حسبُك بجهده أنه ابتكر هندسة لفنون القرآن لم يسبق لها نظير في تاريخ هذا العلم، فلم يستولد المتقدمون صياغة تقويمية تليق مع شدة الفاقة لها، ولم يحرص المتأخرون كذلك على بنيته فقلدوا عنها، وغايتهم في كل ما أوجدوه لنا مجموعا متناثر الأبحاث القرآنية باتساع أو إيجاز في العرض والتحليل والتمثيل، وعلمي أن التصنيف لم يقصد فيه الإحاطة والاستقراء منذ البداية، فلم يدع أصحابه ذلك، بل صدروا كتبهم بعارضة تجيرهم عن المحاكمة في التقصير، وهي بلوغ علوم القرآن مبلغ التعجيز في حصره وعده على العاد، اللهم إلا عبارة واحدة من السيوطي قد تجعله عريض التقريض بمحادته سلوك سبيل الاستقراء.
وعليه فالرمز إليهم بعدم الإحاطة في سياق التفريط تجن بعيد، ولم يقصد فيه كذلك البناء المستقل كعلم له أدواته وأبعاده ومسائله، حيث إن الواقف على الكتب المتخصصة بسرد العلوم وتبيينها المعروفة بالموسوعات العلمية (الإنسكلوبيديا) ، كمقدمة ابن خلدون، أو الدر النظيم في أحوال العلوم والتعليم المعروف بإرشاد القاصد لابن الأكفاني، أو سعد السعود في النفوس للرضي، أو أنموذج العلوم للطرسوسي أو الفناري، أو ينابيع العلوم لابن سعادة، لا يلحظ انتجاعهم بذكر فن مستقل يطلق عليه علوم القرآن، معدود من جملة العلوم المستقلة المتماسكة، وغاية ما ذكروه علم التفسير، كما لم يوضح أحد منهم التعريف الخاص بهذا العلم، وهذا ما يقوي هذه النظرة، بلْهَ نجد الالتباس حتى في الاسم وهذا ما أوضحته سابقا، وصيغة الجمع في الملفوظ تشد على هذا الطرح وتربيه، فعلوم القرآن يدل على مجموعة علوم متناسلة من عروة واحدة، فهي علوم