أكتفي في هذا المقام بتسجيل ما شهد به أبناء طبقته والتي تليها؛ من الشيوخ، والأقران، والتلامذة، نقلا لها كما هي، حتى تتضح شخصيته على وجه أقرب للحقيقة، من انتقاء ما كمل من الأوصاف تغطية لجانب دون آخر، فإن النفس تتوق لكتابة وسماع ما يعجبها، إذا امتزجت بطول مصاحبتها للعلم المدروس، وإن كان في كثير مما أورده تزيد بحكم التلمذة خاصة، ويقلّ في القرين، ويعزّ في الشيخ، ولكن مع تلك العزة والقلة، صدق لهجة، وشهادة مطلقة.
قال ابن ناصر الدين الدمشقي:"وكان عين أعيان الأمة، خلف والده في الاجتهاد، والحفظ، وعلوم الإسناد، رأيته يناظر أباه في دروسه، ويناقشه فيما يلقيه من نفيسه، مع لزوم حرمة الآباء، وحفظ مراتب العلماء" (1) .
وقال تقي الدين أحمد المقريزي:"وكان ذكيا قوي الحافظة، وقد اشتهر اسمه وطار ذكره بعد موت أبيه، وانتهت إليه رياسة الفتوى، وابتلي بحب القضاء، ولم يخلف بعده مثله في الاستحضار وسرعة الكتابة على الفتاوى الكثيرة، والعفة في قضائه" (2) .
وقال أيضا:"ولم يخلف بعد مثله في كَثرة علمه بالفقه وأصوله، وَبالْحَدِيثِ، وَالتفْسِير، والعربية، مَعَ العفَّة والنزاهة عَمَّا يرمِي بهِ قضَاة السوء، وجمال الصورة، وفصاحة العبارة، وَبالْجُمْلةِ؛ فلقَد كَانَ ممن يتجمل بهِ الوَقت" (3) .
وقال محمد بن قاضي شهبة في طبقاته:"وكَانَ فصيحا، بليغا، ذكيا، سريع الِإدْراك، وكَانَ قد نقص عَمَّا كَانَ عَليْهِ قبل ولَاية القَضَاء، قالَ لي مرة: نسيت من العلم بسَبب القَضَاء والأسفار العَارضَة بسَببهِ، مَا لو حفظه شخص لصار عَالما كَبيرا" (4) .
وقال:"وكَانَ يكْتب على الفَتاوَى كتابة مليحة بسُرعَة، وكَانَ سليم الباطِن، لَا يعرف الْخبث"
(1) التبيان لبديعة البيان (2/ 332) .
(2) درر العقود الفريدة (2/ 243) .
(3) السلوك (7/ 50) .
(5) طبقات الشافعية (4/ 89) .