فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 515

المطلب الثاني: الموازنة بين علوم القرآن وعلوم الحديث في الإطار التاريخي

جنح البلقيني في خطبته للدلالة على تقريب هذا العلم بوضع مصنف مستقل الرمز إلى مصنفات علوم الحديث، وما تعرضه من موضوعات في مباحثها تخدم السند والمسند، بخلاف أنواع القرآن العامرة تناولا، والآهلة تنوعا وكمالا، وهذا الرمز عرضه كل من الزركشي والسيوطي، لكن بطريقة أكثر ملامسة، على جهة الموازنة الاعتنائية أو الإهمالية في سياق تدوين العِلْمين، فجاءت عبارتاهما صريحة بتقدم علم الحديث على قرينه الذي لم يلق تشكلا ونضجا إلى قرون متأخرة، وهذه الجزئية أثارت فضولي، واستفزت عقلي، فبسطتها بوجه يدنيني من المعرفة، ويسهم النظر في أسس هذا العلم وجذوره البنيوية، التي من شأنِها أن تكشف الملابسات، وتحل الإشكالات، ويعاد بمقتضاها تنظيم المفاهيم للعلم في تمثلات الاجتهادات العصرية.

عرفت حركة التأليف في تاريخ التراث العربي بداية مبكرة، أفرزت مساهمات في فنون متنوعة من جوانب مختلفة، في التفسير، والفقه، والحديث، واللغة، وكان لكل أصلِ رُوّاده وطلابه، وواضعوه ومبدعوه، فعرف التفسير بدايته على طريقة الإقراء الشفوي، وكذلك البقية، ثم دبّ النسيان بموت الأكابر، ودخول المتطفلين على غير صناعتهم، فاستقر الحديث في المسانيد والمعاجم، واللغة في قوالب يحكمها اللفظ أو التركيب من نَحو وصرف وبلاغة.

وأما التفسير والفقه فتوزع في دواوين على النقل والعقل، وهذه الأصناف الأربعة تحتاج إلى ما يميزها ويصقلها لاتساعها وعسرها، فكان للغة نصيب ظاهر العيان؛ فهو مفتاح العلوم، كما عرف الفقه تأصيلا وتطبيقا في مدارسه المتباعدة الأقطار، فاعوز إلى أصول الفقه وقواعده، فكتب على يد مؤسسه الشافعي الإدريسي، كما أسس قواعد علوم الحديث في كتابه الرسالة؛ وهو يعدّ أول من سطرها؛ لكثرة الدخيل وانتشار الضعف بين الرواة، وحداثة الفرق الضالة، فاضطر العلم إلى التوسع في الجرح والتعديل، مع بيان بعض الهِنات في السند، فعرف استقلالية التأليف على يد الرامهرمزي، ثم تتابع التطور على يد الحاكم، وابن الصلاح، وغيرهم، كما لقي التفسير اعتناء، فوصلنا الكثير من النسخ المستملحة، والقطع المستطرفة، تناولت النص القرآني شرحا، وتحليلا، واستنباطا، وتميز بعضها بوضع بعض النكات في خطبة الافتتاح؛ كتفسير الطبري،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت