قد تقدم في سورة الفتح أنَّها نزلت بالليل (2) ، كما سبق من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُوْرَةٌ؛ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (3) .
وقد تقدم في سورة الحج أن فيها ليليًا، ونهاريًا (4) ، وآيةُ القبلة جاء فيها ما يقتضي أنها نزلت
(1) ينظر: محمد الزركشي، البرهان (1/ 285) ، وعبد الرحمن السيوطي، الإتقان (1/ 137) ، وابن عقيلة المكي، الزيادة والإحسان (1/ 264) .
(2) ينظر: ص (182) .
(3) قال السيوطي:"وتمسك البلقيني بظاهره، فزعم أنها كلها نزلت ليلا، وليس كذلك؛ بل النازل منها تلك الليلة إلى {صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: 3] ".
قلت: بل الصواب ما زعمه البلقيني، وتمسك به، فالسورة نزلت ليلا من أولها إلى آخرها.
قال القرطبي:"وَنزلتْ ليْلًا بيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينةَ في شَأنِ الْحدَيبيةِ، روَى مُحَمَّدُ بنُ إسْحَاقَ عَنِ الزهْري عَنْ عُرْوَةَ عنِ المِسْوَرِ بنِ مَخرمَةَ وَمَرْوَانَ بنِ الْحكَمِ، قالَا:"نزلتْ سُورةُ الفَتحِ بيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينةِ في شَأنِ الْحدَيبيةِ، مِنْ أوَّلِها إلَى آخِرهَا"، وقال الدكتور خالد المزيني:"النتيجة: أن سورة الفتح بكمالها نزلت على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ - في مرجعه من الحديبية، وكان موضوعها على تلك القضية يدور بما فيها من قصص، وأحداث متفرقة، وذلك لصحة أسانيد الأحاديث في ذلك، وصراحة ألفاظها، واتفاق المفسرين عليها، والله أعلم"."
ينظر: محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (16/ 259) ، وعبد الرحمن السيوطي، الدر المنثور (7/ 507) ، وإتمام الدراية لقراء النقاية ص (28) ، وخالد المزيني، المحرر في أسباب نزول القرآن (2/ 897) .
كما أن السورة مدنية بالإجماع، صرح بذلك القرطبي، وابن الجوزي، والفيروز آبادي، والبقاعي، وغيرهم، وادعى الألوسي القول بأن السورة مدنية بلا خلاف فيه نظر ظاهر.
ينظر: محمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (16/ 259) ، وعبد الرحمن بن الجوزي، زاد المسير (4/ 125) ، ومحمد الفيروز آبادي، بصائر ذوي التمييز (1/ 432) ، وإبراهيم البقاعي، مصاعد النظر (2/ 491) ، ومحمود الألوسي، روح المعاني (13/ 238) .
(4) ينظر: ص (191) .