ثَمَانونَ نوْعًا عَلى سَبيلِ الِإدْمَاجِ، وَلَوْ نوعت باعْتبارِ مَا أَدْمَجْتهُ في ضِمْنهَا لزادَتْ عَلى الثلَاثمائةِ" (1) ."
إن المعاين لتقييده، يجد ملامح مواقع العلوم بازغة في نبرة كلامه، وطلعة تنويعاته، وإن تهاون مقتبسا ومستفيدا إلا مرتين، وثالثة مقوّما، ورابعة موجها، وغايته التحرر من قيد التقليد، قاصدا التقصي والاستقصاء بعد أفول ليل الطلب وشروق صباح الاجتهاد؛ إلا أن تجليات المواقع تصورُ كعمود فقري في تكوينه النظري، وتهيئه الفكري، واستعداده الكتابي، تمثلت في مقرراته الثلاث للدرس القرآني بوضوح.
كان للإتقان أوفر نصيب في الاشتهار على التحبير والنقاية لما تفوق به من كمال المادة، وغزارة المنهل، وتفتق المهارة والمراسة في الحقل القرآني، فكثرت مخطوطاته وطبعاته في الأمصار، وترجم إلى لغات عدة، ما سنح لمن تراخ بعده في الزمن أن يعتمده ويجعله أصلا، خاصة مع عزة المؤلفات في علوم القرآن، وقلة اليد المتميزة، ولا سبيل لحصر المغترفين من معينه في هذا المقام توسيعا واختصارا، فلا جرم أن يكون المواقع مصدرا غير مباشر لانحلاله في بوتقة الإتقان مزبودا، وتبعثره في وسطه منخولا، كيف لا وهو الركيزة في دعامة سوقه واستوائها.
لا يختلف اثنان في إجادة الإتقان وبروع صاحبه؛ إلا أني لا أقره من حيث المنهجية المتبعة في تصنيف الأنواع، ولم أقتنع بها، على عكس ما سطره في النقاية، وبنى عليه العمل فيه محافظا على البناء التنظيمي لأركان العلوم القرآنية الأساسية الستة كما وضعها البلقيني، فاختزل هذا التصنيف في الإتقان ولم يلتزمه، وليس الشأن في التقيد به على وجه المطابقة والمضارعة، وإنما الشأن في تنقيحه وتقويمه ليتناسب مع الأنواع المستولدة، ويستوعب أطراف الفن ومسائله ومواضيعه الشاردة المشتتة، ويصاغ بمقتضاها تعريفٌ لعلوم القرآن حصين المداخل من نظر الناقد والمسوئ، مرتفع عن مقام المتعقب والمخطئ، يشكل لحمة النظرية العصرية
(1) ينظر: (1/ 17) .