ومن غلبه الحياء في أمر ما، فليدع غيره ليسأل له عما يريد، كما فعل علي بن أبي طالب، حين استحيا أن يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المذي، لمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ابنته التي هي زوجته، فأمر المقداد وعمارا، فسألا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك (1) .
ويقول الإمام ابن شهاب الزهري: العلم خزائن، ومفاتيحها السؤال. يعني: أن الذي يستخرج ما في صدور العلماء من العلم هو مساءلتهم. وفي هذا فائدة للعالم نفسه، ليظهر المخبوء من علمه ويحيا وينتشر، وفائدة للمتعلم، ليعرف ما يجهل، ويؤكد ما يعلم، ويستوثق مما يستريب فيه.
وهذا شأن الطالب النابه، لا يقرأ أو يسمع إلا ليعي ويفهم، وإلا سأل وراجع. وروى البخاري عن ابن أبي مليكة: أن عائشة كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه (2) .
وقد سأل كثير من الصحابة عن أمور لهم لم يستبن لهم المراد منها، حتى أجيبوا عنها، كسؤالهم عن آية: {اَلَّذِيْنَ آمَنُوْا وَلَمْ يَلْبِسُوْا إِيْمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] قائلين: وأينا لم يظلم نفسه؟ فأجيبوا: أن المراد بالظلم في الآية الشرك. كقوله تعالى على لسان لقمان: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ} [لقمان: 13]
وأمثال ذلك كثير، ومن لم يسأل أضاع على نفسه علما كثيرا. يقول الشاعر:
إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي ÷ يسائل من يدري، فكيف إذن تدري؟!
وقال عمر: من علم فليعلّم، ومن لم يَعْلَم فليسأل العلماء.
(1) رواه البخاري في باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال، الفتح 24.
(2) الفتح 217.