فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 161

والمهم ألا يبدأ المعلم تلاميذه بدقائق العلم، وعويص مسائله، فيغرقهم في بحر عميق لا يستطيعون النجاة منه. بل يبدؤهم بالأسهل والأيسر، لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبا الازدياد منه، بخلاف ضده (1) .

وقد كان كثير من كبار العلماء يؤلفون كتبهم متدرجة وفق مراتب الترقي في الطلب. فالغزالي - مثلا - يؤلف في فقه الشافعية: الوجيز، ثم الوسيط، ثم المبسوط. وابن قدامة يؤلف في فقه الحنابلة على الترتيب التصاعدي: العمدة، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني.

وهكذا كانوا يكتبون لكل مرحلة في الطلب ما يليق بها، فالمبتدئ غير المتوسط غير المنتهي.

وكذلك ينبغي أن تراعي مراحل العمر، فيعطي للصبي غير ما يعطي للمراهق، غير ما يعطي للناضج.

وهذا ما يحرص عليه رجال التربية اليوم في وضع المناهج، وفي تأليف الكتب.

ومن آداب التعليم ومبادئه وقيمه الأصلية التي جاءت بها السنة: مراعاة الفروق بين الناس بعضهم وبعض: الفروق الفردية أو البيئة أو النوعية.

فليس كل ما يصلح لشخص يصلح لآخر. وليس كل ما يصلح لبيئة يصلح لأخرى، وليس كل ما يصلح لفئة أو جنس يصلح لغيرها. وليس كل ما يصلح لزمن يصلح لسائر الأزمنة والعصور.

والمعلم الموفق هو الذي يعطي كل إنسان - فردا أو جماعة - من العلم ما يلائمه ويصلح له، وبالقدر الذي يصلح به، وفي الوقت الذي ينتفع به.

وكان معلم البشرية الأول خير المراعين لهذا الجانب، نظرا وتطبيقا.

ومن الأدلة على اعتبار هذه الفروق ومراعاتها بالفعل عدة أمور:

(1) نفسه ص 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت