تُكَذِّبُوْا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُوْلُوْا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكُلُوْهُ إِلَى عَالِمِهِ» (1) .
وفي بعض الروايات: أن تنازعهم كان في القدر.
وفي بعضها: أنه خرج عليهم كأنما يفقأ في وجهه حب الرمان (2) ، أي: من شدة الغضب، وإنما أغضبه: التدافع والمراء في القرآن، وضرب آياته بعضها ببعض، فإن هذا بداية فتنة في الفكر والعقيدة لا يعلمها إلا الله، لأن القرآن أنزله الله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويجمعهم على كلمة سواء، فإذا أصبح هو مجالا للتنازع والمراء والاختلاف، فقد أصبح محتاجا إلى حاكم آخر يحسم النزاع، ويصفي الخلاف. وهذا مبتدأ تمزق الأمم، وشيوع الانحرافات والأهواء والبدع. وهذا ما أهلك الأمم من قبل، وهو خليق أن يهلك هذه الأمة من بعد، ومن ثم، كان غضبه وزجره - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا كان من الأسس النافعة في التعليم والتربية تسديد المخطئ، والأخذ بيده في رفق، فإن مما يكملها تشجيع من أصاب وأحسن، والإشادة بإحسانه، والثناء عليه، ليزداد نشاطا في الخير، وإقبالا على العلم والعمل، ويضيف إحسانا إلى إحسان، وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
كان أبو موسى الأشعري حسن التلاوة للقرآن، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ أُوْتِيْتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيْرِ آلِ دَاوُدَ» (3) ، يعني بآل داود: داود نفسه.
وقال له يوما: «لَوْ رَأَيْتَنِيْ وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ اَلْبَارِحَةَ!» (أي: لَسَرَّكَ
(1) رواه أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه.
(2) انظر الحديث 42 من كتاب القدر - الفتح الرباني جـ 1 ص 142، وفيه قال البوصيري في زوائد ابن ماجه: هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات.
(3) متفق عليه من حديث أبي موسى. انظر رياض الصالحين (1003) .