وإذا كانت النبوة أشرف المواريث التي تنقطع دونها أماني الخلق، فإن المرتبة التي تليها في الشرف والفضل هي رتبة وارثيها، وهم العلماء.
ويقول عمرو بن العاص: من قرأ القرآن، فقد أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه!
ومفهوم كلمة «قَرَأَ الْقُرْآنَ» في الحديث، وفي عرف الصحابة والقرون الأولى لا يعني مجرد استظهاره، وحفظ كلماته وحروفه، دون تدبر له، ولا فهم لمعانيه وأسراره، وأحكامه، إنما تعني القراءة: العلم والفقه، ولهذا كان العلماء يسمونهم (القراء) .
وقال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
أخذ هذا المعنى أحد الشعراء، فقال:
إن الأكابر يحكمون على الورى ÷ وعلى الأكابر يحكم العلماء!
وهذا هو الوضع الصحيح للعلماء: إن كلمتهم هي العليا، لأنها قبس من كلمة الله، هم الموجهون للحياة وللناس، إلا إذا انقلبت الأوضاع، ورضي العلماء أن يسيروا في ركاب الأمراء، ورحم الله القاضي الجرجاني الذي قال:
ولو أن أهل العلم صانوه صانَهُم ÷ ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان، ودنسوا ÷ محياه بالأطماع حتى تجهما.
ومن أخلاقيات العلم الأصيلة في الإسلام: العمل بمقتضى العلم، على معنى أن يكون هناك صلة بين العلم والإرادة، فإن آفة كثير من الناس أن يعلم ولا يعمل، أو يعمل بضد ما يعلم.
كالطبيب الذي عرف ضرر مأكول أو مشروب على صحته، ولا يفتأ يتناوله استجابة لداعي الشهوة أو العادة.