ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه.
هذا ما لا بد للمسلم في دينه، وتعلمه فرض عين عليه، وأما ما لا بد له منه في دنياه، فيختلف باختلاف البيئات والأزمان. وأرى أن تعلّم القراءة والكتابة والحساب وسائر ما يدرس في المرحلة الابتدائية الآن - على الأقل - لازم لكل إنسان مسلم في دنيا عصرنا حتى يكون عضوا نافعا في المجتمع، ولا توصم أمتنا بالتخلف والأمية في مواجهة الأمم الراقية المتعلمة.
وهناك من العلوم ما يعدّ طلبه فرض كفاية على الجماعة، بحيث إذا قام به واحد أو عدد كاف سقط الحرج عن باقي الجماعة، وإلا أثمت الجماعة عامة، وأولو الأمر فيها خاصة.
يقول الإمام ابن حزم: ثم فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو دسكرة أو حلة أعراب أو حصن، أن ينتدب منهم - لطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها، ولتعلم القرآن كله، ولكتاب كل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث الأحكام أولها عن آخرها، وضبطها بنصوص ألفاظها، وضبط كل ما أجمع المسلمون عليه، وما اختلفوا فيه - من يقوم بتعليمهم، وتفقيههم من القرآن والحديث والإجماع، ويكتفي بذلك على قدر قلتهم أو كثرتهم.
يعني: أن الواجب طلب جميع ما ذكره ابن حزم، إن لم يستوعبه جهد الطالب.
واستدل ابن حزم لما ذكره بقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] فالنفار المذكور فرض على الجماعة كلها، حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين. ثم قال: وفرض على جميع المسلمين أن يكون في كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله، ويعلمه الناس ويقرئه إياهم، لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقراءته (1) .
(1) الإحكام لابن حزم ص 690/ 691.