والظاهر أن فرض الكفاية هنا: هو كل ما تحتاج إليه الجماعة المسلمة في دينها أو دنياها، من التبحر في علوم الشرع أو التخصص في علوم الكون، من: طب، وهندسة، ورياضة، وفلك، وكيمياء، وطبيعة، وإحياء، وجيولوجيا، أو غيرها، من كل ما تتطلبه حياة الناس الاجتماعية في هذا العصر، مدنيا أو عسكريا.
بل كل ما يحتاج إليه المسلمون من العلوم، ليحقق لهم التفوق على غيرهم، وتكون لهم القوة على عدوّهم، فهو فرض عليهم على الكفاية، والتفريط فيه يصيب الأمة كلها بالحرج والإثم. وقد يتعين فرض الكفاية في حق بعض الناس إذا دعاه إليه من له الأمر ولا عذر عنده، أو كان عنده من الأهلية ما ليس عند غيره، وعلم ذلك من نفسه، ولم يحل دونه حائل.
والأصل في ذلك: أن كل ما يؤدي إلى ضعف الأمة، يجب دفعه قبل وقوعه، ورفعه إن وقع. وأن كل ما يؤدي إلى قوة الأمة واستقرارها، وحمايتها من الأخطار الداخلية والخارجية، يجب تحصيله عليها بالتضامن، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ويقول الإمام الغزالي في بيان العلم الذي هو فرض كفاية:
اعلم أن الفرض لا يتميّز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم، والعلوم بالإضافة إلى الغرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية، وأعني بالشرعية: ما استفيد من الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه -، ولا يرشد العقل إليه، مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل اللغة. فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح، فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة.
أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري