فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 161

يَتَّبِعَنِيْ».

وإنما غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتغير وجهه واشتد في إنكاره، لأن الأمر هنا أمر دين لا يؤخذ إلا من الصادق المصدوق.

أما علوم الحياة وفنونها، وما يهتدي إليه الناس بعقولهم وتجاربهم، فهو ملك عامة البشر، نأخذه من أي وعاء خرج، ونلتمسه من الشرق أو الغرب، ونقتبسه من المسلم والمشرك، كما رأيناه - صلى الله عليه وسلم - يستفيد من أسرى المشركين في محو الأمية، ويأخذ بفكرة حفر الخندق حول المدينة، وهي من أساليب الفرس، ويستخدم المنجنيق في حصار الطائف، ويخطب على المنبر وهو صنعة نجار رومي.

ونرى خلفاءه الراشدين يسنون للأمة أمورا لم يكن للعرب بها عهد، إنما اقتبسوها من غيرهم من الأمم، إذ رأوا فيها صلاحا ونفعا، فها نحن نرى عمر يستجيب لمقترحات بعض أصحابه فيأخذ بفكرة التاريخ، وفكرة تدوين الدواوين.

بل ذهب بعض الباحثين إلى أن التدوين قد بدأ منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذا مما ذكرناه من قبل من الأمر بالإحصاء الكتابي للمسلمين بعد الهجرة (2) .

وأهم من هذا كله، الحملة المشددة المتكررة على الأوهام، والخرافات، والشعوذات، التي كان لها في الجاهلية سوق نافقة، ولها في ظل كثير من الديانات السماوية المحرفة والوضعية سماسرة ودعاة، يقولون فيسمعون، ويأمرون

(1) رواه أحمد كما في"ترتيب المسند"للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا - كتاب العلم - رقم 62، ونقل في تخريجه عن صاحب"التنقيح"أن رجاله رجال الحسن، وهو عند أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، وإسناده حسن، وعن ابن حبان أيضا بإسناد صحيح. وفي الباب عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عند أحمد وابن سعد والحاكم في"الكنى"، والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، وعن جابر عند الدارمي. [الفتح الرباني جـ 1 ص 175] .

(2) انظر: التراتيب الإدارية أو نظام الحكومة النبوية للكتاني جـ 1 ص 227، 228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت